عُوْدَه والدكتورة جِيهان .. رواية / رضا الحسيني (16)
االفصل الثالث { التعايش }
في يوم إجازتي لم يغب عوده لحظة واحدة عني ، لا أنا أستريح بعيدا عنه و لا هو يستريح بعيدا عني ،
و كأن كل منا يكتمل بوجود الآخر .
_ عارفة يا أُمي ؟
_ نعم ياجِيهان ، خير حبيبتي !
_ انتي مستغربتيش ليه لما جيت بعُوْدَه ؟
_ و أستغرب ليه ؟!
_ أُم غيرك ممكن كانت تظن إن عُوْدْه ده ابني مثلا وكنت مخبية أمره عنك و دلوقتي جِبته لهِنا
و اخترعتلك حكايته دي .. صح ؟
_ صح إيه بس ! انتِ قلتيها بلسانك أُم غيري ، و مع بنت غيرك ، ده أنا بعرفك يمكن أكتر ما بعرف حالي
_ أصل أنا يا أُمي مستغربة إنك حبيتي عُوْدَه أوي
و بسرعه
_ حبيته عشان هو فعلا ولد يتحب جدا ، و حبيته عشان ظروفه ، و حبيته عشان شُفتك متعلقة أوي بيه
كان سؤالي الغبي هذا لأُمي في غير محله تماما ، رأيت في نظراتها لي و هي تُجيبني عِتابا غريبا ، كيف أُفكر فيها
و في نفسي هكذا و نحن لم نفترق عن بعض أبدا ؟! فقط فترة وجودي كل يوم بالمدرسة أو الجامعة ، فكأنني أقول لها {قد فشلتي في تربيتي } ، بعد كل ماضَحَّت به من أجلي ، لا لا يجب أن أُزيل هذا الأثر سريعا من داخلها
_ هي ماما زعلانة مِني ياجِيهان عشان قُلت على شَنبها البُني؟
_ لا يا حبيبي ماما زعلانه مِني أنا
_ بس أنتِ ما قلتيش حاجة على شَنبها خالص ، أنا اللي قُلت
_ أنا قُلت حاجة زعلتها
_ تحبي أصالحكم على بعض ؟
_ إيه ده ! الولد الحِليوه يعرف يصالح الناس على بعض؟
_ آه طبعا ، و أنا في المستشفى كنت بعمل كده كتير بصالح الولاد على بعض ، كلهم بيحبوني ، ما عدا الولد طلال بس
_ و انت زعلان ليه من طلال بقى ؟
_ عشان دايما بيكدب
_ بُص يا عُوْدَه ، الكدب طبعا حرام وغلط ، و كمان لازم مش نكره حد أو نزعل من حد
_ يعني أنتِ يا جِيهان عمرك ما كدبتي خالص ؟
_ طبعا لا ، لا يمكن أكدب
_ طب قوليلي بقى أنتِ قلتي إيه لماما عشان تزعل مِنك
و لم أستطع الإفلات من سؤال عُوْدَه وذكائه .. فاضطررت لمصارحته بفعلتي مع أُمي ، و كنا على وشك عودتنا للبيت بعد فُسحة الحديقة اليابانية و الأيس كريم .
و حان موعد نومنا ، كنا قد بلغ بنا التعب الشديد مبلغه ، و إذا بعُوْدَه يجري مُسرعا لفراش أُمي
_ الليلة دي هنام مع ماما حبيبتي
_ الله على كلمة ماما اللي طالعه منك زي العسل
_ وأنا يا سي عُوْدَه؟!
_ عاوزاني أجي أنام معاكي يا جِيهان؟
_ طبعا عاوزة و عاوزة
_ يبقى تيجي تبوسي ماما الأول
_ ومين قالك بقى إني عاوزاها تبوسني يا سي عُوْدَه؟
_ يا ماما ! يعني أنتِ هتعرفي تنامي زعلانه مِنها بذمتك ؟
_ إلا زعل ماما حبيبتي ، أنا زعلانة كتير من روحي عشان كنت سبب زعلها .. و آدي راسك ببوسها يا أُمي يا سِت الكل
_ و أنا أصلا الليلة دي عاوز أنام مع جِيهان حبيبتي ههههههه
_ شُفتي الولد المكَّار يا سِت جِيهان
كانت هذه هي جُملة أُمي الأولى بعد صمتها معي لأكثر من ثلاث ساعات ، و طبعا كان الفضل في ذلك لعُوْدَه بذكائه و حِنيته و خِفة دمه ،
و كأن هذه الساعات كانت كالجبل على صدري
في غرفتي بدأت أنا و عُوْدَه الاستعداد للنوم ،
و لست أدري مَن مِنا الأكثر سعادة ، ربما كان عُوْدَه ، و ربما كانت الطفلة التي بداخلي
_ إيه اللي عجبك أكتر النهارده ؟
_ شنب ماما و القرود هههههههههههههه
_ آه ، تقصد الشنب البُني، وعدتك خلاص فيه أيس كريم شيكولاته الفُسحة الجاية
_ في إجازتك الجاية يا جِيهان ؟
_ طبعا يا حبيب جِيهان ، و إيه بقى حكاية القرود دي ؟!
_ اللي مش بيسمعو و لا بيشوفو و لا يتكلمو
_ مالهم يعني ؟ عجبك إيه فيهم ؟
_ حسيت إني الرابع بتاعهم
_ هههههه أنت إزاي جاتلك الفكره دي ؟! أنا و لا فكرت فيها ، أنت مش سهل خالص
_ أنا بقى لا أتذكَّر
حسيت نفسي زيهم ، آه بسمع ،آه بشوف ، و آه بتكلم ، و لكني لا أتذكَّر أي حاجة من حياتي اللي قبل كده
_ تعرف بقى إنك خلتني أفكر في أمر مهم جدا
_ إيه هو يا جِيهان ؟
_ أنت عاوز ترجعلك ذاكرتك و تعيش فيها من تاني ؟
و لا عاوز تفضل بذاكرتك دي و تبقى معايا أنا و ماما ؟
_ هو أنا يعني لازم أبقى عايش فاقد ذاكرة دايما؟!
_ مش عارفة ياعُوْدَه ، بس أوعدك هسأل دكتور من زمايلي ، المهم ماتهربش بذكاء من سؤالي ، جاوب يلا
_ أنا عاوز أبقى على طول عايش و أنا فاكر كل حاجه ، بس كمان عاوز أبقى معاكم هنا
_ كده بقى أنا لازم آكل الولد الحِليوه ده ههههههههه
_ الحقيني يا ماما .. يا ماما ههههههههه
بقينا هكذا نحكي أنا و عُوْدَه حتى غالبه النُعاس بعد مجهود يوم طويل قضى معظمه معنا في فسحة كنا ثلاثتنا نحتاجها ، و الجميل أنها جاءت في وجود عُوْدَه جميل الروح ، فأنا دخلت الحديقة اليابانية كثيرا على مدى سنوات عمري من قبل ، دخلتها وحدي مرتين ، و مع أُمي عدة مرات ، هذه المرة كانت الحديقة مختلفة جدا ، كانت أروع و أفسح ، وكنت هذه المرة الطفلة التي بداخلي ، و أنا صغيرة كنت أحلم بوجود رفيق لي يلعب معي ، سواء أخ أو أخت مثل بقية الولاد من حولي وقتها ، كنت ألعب بالبالون وحدي ، أجري هنا و هناك وحدي ، و لذلك وجدتني أنحني على خَد عُوْدَه أُقبله مُبتسمة وكأني أقول له :{ شكرا حبيبي عُوْدَه على هذه الفُسحة الجميلة }

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق