الاثنين، 21 أغسطس 2023

عُوْدَه والدكتورة جِيهان .. رواية / رضا الحسيني (27)
ا لفصل الثامن { مابعد أمي }
لم يعد لي في الحياة كلها إلا هذا الجميل عُوْدَه ، هو من يجعلني أتماسك و أُكمل الحياة من بعد أُمي ، كُلما ضحكَ أشعر بها تضحك ، ُكلما سكتَ أشعر بها حزينة لسُكاته ، و أشعر أنه كان بالنسبة لها مُكافأة نهاية الخدمة قبل رحيلها ، كان هدية السماء لها بعامها الأخير ، كانت تحتاج بالفعل لهذه اللحظات الجميلة التي عاشتها مع عُوْدَه ، كنت أرى في عينيها ارتياحا جميلا ، و قُبولا لكل مامرت به من أحداث حياتها ، وهاهو اليوم يزداد تعلُقا بها ، كان سؤاله عن اسمها هديته لها ، وكأنه ذهب ليضع باقة ورد على قبرها وهو مُبتسم ، و وجدتني أسأل نفسي باندهاش { ماذا كنت سأفعل اليوم لو لم يكن معي عُوْدَه؟!} كان هذا التساؤل الغريب محور كل تفكيري من بعد أُمي ، نحن في الحياة لانتوقف كثيرا أمام ما نُصادفه من أمور ، فقط نعيش هذه الأمور ،وكثيرا لاتعجبنا ونتذمر منها ، بل قد نجاهد بكل مالنا من قوة كي نغير ماتقرره لنا أقدارنا ونحن لاندرك أن مانرفضه قد يكون هو الخير ، بل الخير كله
و يجيء وقت ما بعد ذلك بفترة لنكتشف أهمية بعض هذه الأمور ، هكذا أمر عُوْدَه ، وضعته الأقدار في طريقي في هذه الليلة الجميلة _ و كنت أرفض بشدة المُناوبة الليلية في بداية عملي كطبيبة_ وكأن الأقدار وَضعتُه لي هكذا هَدية قَبولي لقدري ، و حين وقعتْ أُمي أمامي كانت تُمسك بيد عُوْدَه ، هذه الفكرة  كُلَّما عُدت إليها أتعجب و أندهش ، فالأقدار تقول لي أن عُوْدَه  هو الذي سيُمسك بيد أُمك عند موتها ، فكان و لابد من ظهور عُوْدَه في حياتنا ، و الأمر الآخر الذي وجدتني أتوقَّف عنده كثيرا و لن يفارقني ، كانت أُمي تُمسك بيد عُوْدَه ، وكأنها تُخبرني بألا أترك يده ، هذه اليد التي كانت آخر مالمسته أُمي
_ مالك يا جِيهان ؟ أنا قُلت حاجة زعلِّتك مِني ؟!
_ لا يا حبيبي ، انت و لا مرة قُلت حاجة زعلتني أبدا
_ طب ليه دموعك دي ، بتبكي ليه ؟
_ لا لا مش ببكي خالص ، أنا بضحك أهو شوف
_ يعني أطلب مِنك حاجة ؟
_ انت تُؤمر يا قلبي ، عاوز إيه ؟
_ عاوز سندوتش جِبنة بالمربَّى
_ بس أنا مش بعرف أعمله ، تيجي معايا المطبخ نعمله سوا ،اتفقنا ؟
_ اتفقنا
و هكذا استطاع عُوْدَه بذكائه أن  يأخذني من كل أحزاني وتأوهاتي لعالمه المَرِح الجميل الذي جاء به لبيتنا
_ إيه ده يا سِت جِيهان !
_ مالك ياعُوْدَه ؟!
_ ماما فَردوس كانت بتخليني أقعد قُدَّامها هِنا على رُخَامة المطبخ و هي بتعمل الأكل
_ تعالى يا سِي عُوْدَه اطلع على الرُّخَامة و لا تزعل
مرت الإجازة الصيفية سريعا وحان ذهاب عُوْدَه من جديد للمدرسة ، فكُنا نصحو معا من الخامسة صباحا ، نُصلِّي الفجر  _ من قبل كان يُصلِّي الفجر مع أُمي وأنا في مناوبتي الليلية _ و نستعد للخروج حيث كُنت أذهب به للمدرسة ولا أُغادر المكان حتى أطمئن بنفسي أنه قد دخلها و صار بين التلاميذ ، ولابد أن يُشير لي بيده الصغيرة من داخلها وهو يبتسم لي ، هذه الابتسامة كانت خلال العام الماضي كله لأُمي حبيبتي
و هكذا وجدتنُي أتذكَّر كيف كانت أُمي ، و كيف عاشت معه الكثير من الأشياء في غيابي ، وتساءلت مع نفسي
{ هل عُوْدَه يتذكر لها كل هذه الأشياء مثلي ؟} ، و كان الجواب حاضرا بسرعة ، نعم يتذكَّر ، فحين دخل معي المطبخ ليلة أمس تذكَّر كيف كانت أُمي ترفعه و تُجلسهُ أمامها على الرُّخَامَة
و كانت المسافة من مدرسته الابتدائية و حتى محطة مِترو حُلوان تُقارب العشر دقائق تقريبا سيرا على الأقدام ، كنت أمشيها و أنا مُبتسمة تارة لما فعله معي عُوْدَه في ذهابنا للمدرسة ، و تارة قلقة عليه حين يخرج في نهاية يومه الدراسي فلا يجدني و لا يجد أُمي ، الأمر الوحيد الذي جعلني أطمئن قليلا هو أنَّ جارتنا أُم زغلول وعدتني بأنها ستأتي بعُوْدَه مع ابنها كل يوم من المدرسة و تُبقيه عندها حتى أرجع في الثالثة عصرا، و خلال رحلتي بالمِترو من حُلوان لمحطة السيدة زينب كنت أعيش في عالم آخر مع عُوْدَه و أُمي ، كنت في هذه الرحلة أُحب أن أجلس بجوار النافذة المُطلة على أرصفة المحطات ، فالنوافذ على الجهة الأخرى تكون بمُقابل المِترو القادم بالاتجاه المعاكس ،  فيُحدِث صوتا مُفاجئا يُفزعني و يُخرجني من عالمي الجميل الذي أدخله مع جُلوسي هكذا ، و المِترو كان يسير مُسرعا جدا في المسافات التي بين بعض المحطات ، حيث لم يكن يتوقف في كل المحطات ، فقط كانت هناك محطات رئيسية يجب التوقف فيها مِثل المَعْصَرة و طُرَه البلد و المَعادي و السيدة زينب ، أما بَقية المحطات فكان يتوقف فيها بالتَّناوب ، و كان كثير الانقلاب في المُنحَنى الذي يسبق محطة ماري جرجس ، خاصة إذا لم يكن سيتوقف فيها ، فكنت أسأل قبل أن أستقله   :
_ هل سيتوقف بمحطة ماري جرجس أم لا ؟
فلا أركب أبدا المِترو الذي لن يتوقف بهذه المحطة ،
و رحلة المِترو طِيلة فترة دراستي بكلية طب القاهرةو حتى بعد استلامي لعملي هي رحلتي لداخلي ، و لحياتي ، و لأمي ، ثم صارت رحلتي هذه فقط لأُمي و عُوْدَة طِيلة العام الماضي ، و اليوم صارت رحلتي سِباحة في عُوْدَه و  في حَاله و مُستقبله ، و كُنت أحزن كثيرا كُلما تذكَّرتُ أن مُوهبته الكُروية لن يُصبح لها أي مَجال في وَضع حياتنا الجديد هذا
الفصل التاسع
{    التغيير   }
استمرت حياتي أنا و عُوْدَه على هذه الحال عامين ، عشناهما بمُنتهى الصُّعوبة ، فَقَدْنا خلالهما الكثير من السعادة التي كُنا نتمتع بها في وجود أُمي ، كنا مُرغمين على هذا ، فأنا أرجع من عملي مُنهكة جدا ، لأن المُناوبة النهارية هي أشد إرهاقا من الليلية ، و حين أرجع للبيت يكون عُوْدَه في أشد الاشتياق لي و يظل واقفا في بلكونة أُم زَغلول يُتابع الشارع حتى يراني قادمة من بعيد ، فيحمل حقيبته الصغيرة و ينزل مُسرعا حتى باب البيت يستقبلني بالارتماء في أحضاني بصرخاته الجميلة :
_ جِيهان جَت ، جِيهان جَت
وفي إحدى الليالي جاءت أُم زَغلول لزيارتنا بشقتنا تحمل صَينية بطاطا ساخنة كان يُحبها عُوْدَه كثيرا من أُمي ، وقد وَضعتْ له فيها القليل من المِلح والكَمُّون والشَّطَّة ، فرح بها كثيرا ، وما أجمله عُوْدَه الذي قال :
_ بَطَاطَا ماما فَردوس
تصورتُ لحظتها أنها قد تغضب ، ولن تتقبَّل مِنه هذه الجُملة ، ولكنها كانت أروع بابتسامتها وقُبلتها على جَبين عُوْدَه وهي ترد عليه قائلة :
_ ياحبيب قلب ماما فَردوس ، هي جَت زارتني في المَنام و وصِّتني أعملَّك البَطَاطَا كده زيها
لحظتها لم أتماسك و دخلتُ في نَوبة بُكاء  ، فضمتني لصدرها في حين كانت يَد عُوْدَه الصغيرة تمسح على شَعري وظَهري وهو يقول لي :
_ إحنا اتفقنا على إيه يا سِت جِيهان
_ خلاص يا حبيبي ، خلاص هسكت أهو
_ لأ ، و كمان تاكلي معايا من البَطَاطَا
يومها فَتحَتْ معي أُم زَغلول أمرا مُفاجئا لم يخطر أبدا على بالي ، و كان بمثابة الضَّي الذي يظهر في آخر النَّفق المُظلم
اقترحتْ أن أجعل جُزءا من شقتنا هذه عِيادة لي أُعالج فيها أطفال المَنطقة مُقابل أجر بسيط ، و أن اتفرَّغ للعيادة بدلا من الذهاب للمستشفى كل يوم ، و بالتالي أكون بجوار عُوْدَه و لا أُفارقه ، نظرت لها و أنا في شدة ذهولي و إعجابي بالفكرة التي تُحقق لي كل ما كنت أحلم به ، أتخلَّص من رحلة المِترو  الخطرة هذه كل يوم ، أكون بجوار حبيبي عُوْدَه ، و بذات الوقت أُحقق أحد أحلامي بخدمة مَنطقتي التي تربيت فيها كل عمري تقريبا ، فأنا جِئتُ هُنا مع أُمي مُنذ كُنت أصغر من عُوْدَه ، ولم يكن مُتاحا لهذه الفكرة غير غُرفة أُمي ، كان لابد من تحويلها هي لعيادة مع بعض التعديلات البسيطة بالصالة لتتناسب مع الأُمهات وأطفالهن حين يأتون للكشف ،
انتظروهما في الغد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

-( عيد ميلادي)- في الخامس من آب بعضُ طينٍ وماءٍ صارا أنا والى أنْ يختلفا سأبقى هنا... لم تكنْ صدفة أو لقاء عبثي بين عنصرين بل تحدٍّ وامتحان ...