الحلال والحرام
الجزء الثالث والأخير
نداء
أعلن حالة السعادة الدائمة... بهذا القرار ختمت الخنساء حصة محاكمتها أمام قاضيها المستبد...
فتحت أبواب بيت الحكمة على مصراعيها وتجلت الخنساء وأم سلمى حرم النبي محمد صلعم، وظهرت خلفهما المفكرة الفرنسية سيمون دي بوفوار صاحبة كتاب "الجنس الآخر" والمناضلة الحقوقية نوال السعداوي صاحبة كتاب "الأنثى هي الأصل" وهتفن:
- حان وقت مراجعة التاريخ وكتابته من جديد واختيار الكتاب والشعراء الواعدين بما هو أجمل وتدويناتهم المضيئة للإنسانية جمعاء دون تمييز. كلماتنا ستكون نورا على نور وليست فتاوى لسفك الدماء.
فصفق الرسل والعلماء ورفعوا كأس الندامة وإذا بصوت صاح فيهم:
- "ما تفعلونه حرام..." انتصب الغزالي رافعا كتابه "الحلال والحرام"... منوها بصورة البرهان قبل التحريم والتحليل...
وفي لحظة اكتظاظ، اقتحم "آل ظلام" ومحرمي الكلام، بيت الحكمة فانقضت عليهم الخفافيش وعلى رأسهم ڨوته والمعري رافعين رسالة الغفران والكوميديا الالاهية وكتب ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة وحكايات لافتتان ودستويفسكي وميشيما وإيمي سيزار وسارتر وطولسطوي ومارقيريت يورسينار ولويز ميشال......
وإذا بابن عربي يخرج من طيات الزمان يمدح جمال الجمال وحسن المثال...
“ المكان الذي لا يؤنث، لا يعول عليه.”
وعلى إثرها دوى ترتيل أم كلثوم:
يا سيدة الزمان والمكان، يا خنساء النساء...
لا تشغل البال بماضي الزمان * ولا بآت العيش قبل الأوان
واغنم من الحاضر لذاته * فليس في طبع الليالي الأمان
فرت الخفافيش وما بقي إلا البشر، استفاق الخيام من سباته. سائلا: مالبشر ؟
وسطاء لا يعرفون إلا لغة التحريم ومبايعة من حكم وصال وظلم، هكذا جاوبهم الراوندي وعلي عبدالزاق وفودة والمعتزلة ونبلاء أهل النهضة واليقظة العربية الحقيقيين، رفاعة الطهطاوي... دفاعا عن الدين من مسالك تجارة الوكلاء الجاهلين...
وانتصبت "جشم آفت هانم" منشأة أول مدرسة حكومية مجانية لتعليم الفتيات و "عزيزة عثمانة”... الأميرة التي أغدقت مالها على فقراء تونس أحياء وأموات
وهتفن مع من سبقتهن ومع الحاضرات منهن رسالة إلى البشر:" إذا أردت الحكمة فأحب شريكة حياتك، أعتني بها... ترعى بيتك "...
فالجهل الذاتي هو أصل كل شر.
حينها، أخذ جرير مكانا علويا قرب الخنساء وأنشد:
- يا بشر حقٓ لبشرك التبشير... يأتيك من قبل الالاه بشير...
يا مريدي حلو الكلام وحرية المقام ابشروا بين العلي:
أن الخمر حلال في الجنة لأنها لا تخامر العقل.
نطقت الشاعرة:
- همنا اليوم كيف نتحرر من عبودية البشر للبشر...؟
ورافقته ذكرا ملتزم في ملحمة بصوتين:
"لا تبك ليلى ولا تبك إلى هند * واشرب على الورد من حمراء كالورد..."
ارفعوا كؤوسكم لنروي عروقنا نبيذ الأبد. وهكذا نحرر عقولنا من هيستيريا الكذب... اليوم خمر الحياة وغدا أمر الممات. فالسعادة قرار.
ويبقى حسابنا بين يدي رب العرش العالم بم. تبطنون وبما تظهرون وبما تخفون من أسرار... ولا أحد منكم فار مما يحمله كتابه المكتوب بحروف خط حياته من أفكار.
وعلي أوتار هذه الأصوات ضحك عالم الفلك البيروني وأمجاد العلم والحكمة من ميمونيد الأندلسي و ڨاليلي وأنشتاين ونيوتن ونيتشة والفرابي وابن خلدون وابن بطوطة وبوذا وكنفشيوس ولوتر وشنودة وفلاتر ومانديلا وسليمان ولقمان... وأبن رشد.
كشفت الوجوه وردد العلماء والشعراء أنشودة الكتاب... "من قرأ كتاب رفع الجهل وقتل السواد..."
فخفف من فرحهم اللامعتاد ابن الرواندي:
لا يسع أحدا أن يعد نفسه ميتا، لأن هذه الحالة تستحيل مع الحياة، لأن المرء إن تخيل أو ظن بأنه ميت، كان هذا التخيل أو الظن في حد ذاته دليلا على أنه حي وليس بميت، لأن التفكير والتخيل والظن هي من خصائص الأحياء.
وإذا بنزار قباني يقتحم "حلقة الطيبين" ومعه أبو العتاهية فأيقظهما من حلمهم اللذيذ وغناهم:
إنهم يريدون أن يفتحوا العالم وهم عاجزون عن فتح كتاب.
وصاح الجميع: من هم "إنهم"؟
ولكن ظهر الصباح... ومنع الجواب...
وطل وجه الخنساء من وراء الأفق
- لبيك يا أماه قال أبناؤها
أتلبسين هذا الرداء وقد نهى عنه الإسلام؟
- لم أعلم بهذا.
وما الذي دفعك إلى هذه الحال؟
- موت أخي صخر.
عبدالفتاح الطياري

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق