كانت البراءة فيما مضى هي عالمنا الرحب ومنبتنا الخصب ولم نكن نعلم عن الراحلين الا أنهم غادروا نحو السماء وما كان لنا في خيالاتنا الا أُمنيات ساذجة بأن يبقى لنا كل قريب وكل صاحب وكل صديق
وقد كانت المواقف تصهرنا والتجارب تُصقلنا والأزمات تُربينا فودعنا واستودعنا وبكينا وتباكينا وأدركنا أن لا شىء في الوجود يحظى بالخلود وأن لا نتعمق فنتعلق ، وأن نزن مشاعرنا بمكيال غيرنا لنا ولا نقبل الدنية في كرامتنا فنحفظ الإساءات ولا ننساها ونبقيها الى أن تأتينا الليالي بحقوقنا كما نصون المَكرُمات لحين رد جميلها اجلالاً لمعروف صاحبها ..
فلما أناخت قوافلنا ويممت نحو الأربعين حتى ناصفناه وقطعناه ،،
ما عاد لنا في رحلة الحياة الا سنوات خادعات خداعات لا خير فيها الا صدقة أو معروف أو عمل صالح ، تمضي بنا الى فراق الأحباب ومفارقة الأصحاب ..
وكلما مضت بنا الليالي مضى سيف المقادير بالأعمار فقطعها وسقطت الأوراق عن شجرة الورد التي أظلت صبانا وأزهرت بطفولتنا
ولم يعد على الأغصان الا وريقات صغيرة اصفر بعضها وذبل وردها وأجدب ينعها
واستمر الراحلون نحو عالم الخلود ،،
وتجلى طريق الرحيل بعد أن كان خيالاً فصارت بشائره دانية وكلما اقترب طيفه تحقق صدق رؤياه أنه واقع لا محالة
فاليوم عاينه غيرنا وغداً لنا موعد معه لن نُخلفه وتلك سُنة الحياة ،،
وتبقى القلوب الطيبة ، بذكرها الجميل وطبعها الأصيل وعبقها الذي لا ينفذ
يرحل صاحبها وتبقى سيرته عطرة،، فإن غيب الفراق ملامحه فمآثره عصية على النسيان باقية في ذاكرة الزمان ...
له بعد الفناء عُمرٌ ثان فاللهم طيب كل طيب فارقناه وارحم كل عزيز نعيناه وكل قريب وحبيب فقدناه ، واجعل لنا بعد موتنا من يذكرنا بخير ويدعو لنا واغفر لأهلنا ووالدينا وأقاربنا وأصحابنا وكل من كتبت علينا فراقه فودعناه واستودعناه رحماتك ..
اللهم آمين يا رب العالمين ،،

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق