الأربعاء، 16 أغسطس 2023

عُوْدَه والدكتورة جِيهان .. رواية / رضا الحسيني (22)
الفصل الخامس {العريس }
تركته في ذهوله و صدمته لم أنتظر منه أي رد أو تعقيب ، و لم أشعر هل كان صوتي يُسمعه هو فقط ، أم يُسمع كل من بالطريق حولنا ، لم أهتم بذلك ، من الواضح أنه لم يعرف من هي دكتورة جِيهان جيدا ، هل كان يتصور أنني سأبتهج و أقبل منه مثل هذا التصرف ! هل يتصور أن سماحنا له بدخول بيتنا كان يعني قبولنا لعرضه لي بالزواج ! طيلة الوقت بقيتُ أتخيَّل رد فِعل أُمي حين أُخبرها في صباح الغد بمافعل الآن
و هكذا أزال ماجد عن كاهلي كل الصِعاب التي كنت أذهب بها إلى عملي هذه الليلة ، و كانت رحلة المترو هادئة ، فمترو حلوان فيه في المساء ميزة عدم الزحام و الهدوء ، و لكني لا أحب رحلة المساء هذه بذات الوقت حيث يُصاحبني فيها الظلام الدامس في كل مكان يمر به المترو ، أما في رحلة العودة صباحا من المستشفى فعادة هي شديدة الزحام لوجود الكثير من العمال و الطلاب ، و لايُنقذني من الزحام هذا غير ذهابي بالمترو من السيدة زينب لمحطة باب اللوق و هي نهاية الخط ، مجرد محطة واحدة فقط و مسافتها ليست بكبيرة ، أفعل ذلك كل يوم لأضمن لي مقعدا بالمترو بعيدا عن زحامه ، و أنا أحب أن أجلس بجوار النافذة حيث يكون ذراعي الأيسر مستندا على النافذة المفتوحة أتنفس من خلالها هواء الغيطان المجاورة للمترو في كثير من مسافاته ، أو الصحراء الشاسعة حتى الجبل في أحيان كثيرة ، و أحيانا لا أجد مقعدا إلا بالجهة الأخرى ، و هي جهة أستند فيها بذراعي الأيمن على النافذة ، و أجمل ما في هذه الجهة أنني أستطيع رؤية النيل و الأهرامات و كذلك مساحات شاسعة من الغيطان
و الفيلات الجميلة حين يمر المترو بمنطقة المعادي و الثكنات
في رحلة العودة لابد و أن أتذكر دائما عُوْدَه ، فاسمه مُرتبط بها لتشابه الأسماء بينهما ، و لأنه صاحبني في إحداها ـ في ذلك اليوم الذي أخذته معي من مستشفى القصر العيني ، و كان مبهورا بكل شيء يراه ، شعرت أنه يستقل المترو لأول مرة ، و بالتالي فهو ليس من المناطق التي يمر بها المترو ، و إلا كان سيتذكر أي شيء و هو بجواري فيه ، لكن انبهاره و فرحته كانا واضحين عليه ، و مازلت أسمع صوت ضحكاته حين رأى حمارا في أحد الغيطان بجوار المترو و قال و هو يصرخ :
_ حمار حمار .. كنت بحب أركبه يا جِيهان
لحظتها التفتُ نحوه بكل أمل و تفاؤل حيث شعرت أنه سيستعيد ذاكرته تدريجيا
حين دخلتُ البيت في هذا الصباح وجدت أُمي تنتظرني في نافذة صالتنا تُتابع دخولي لشارعنا ، فعرفتُ أنها ترغب في مِعرفة ماحدث بالمستشفى في الصباح حين جاء ماجد ليبدأ مناوبته الصباحية ، لاتعلم أن الأمر تم حسمه منذ غادرت البيت مساء أمس مُتوجهة لعملي ، حين أخبرتها بما فعل معي ضمتني لحضنها :
_ خير ما فعلتي يا بنتي ، هي دي جِيهان اللي عرفت أربيها حبيبة قلبي
_ أنا بس يا أُمي ببقى زعلانة و الله عشان عارفة قد إيه انتِ نفسك تفرحي بيَّ وتطمني عليَّ
مر يومي هذا ككل الأيام السابقة الأخيرة منذ دخل عُوْدَه المدرسة دون أي تغيير ، و البيت طيلة غيابه هادئا جدا صامتا يكاد يكون بلا بشر ، بلا صوت ، بلا فَرْح ، فعُوْدَه هو كل الجمال هُنا ، يغيب الجمال كلما غاب ، فهو حتى في نومه موجود معنا بطريقة نومه العجيبة ، و ابتسامة وجهه
، و في كل لحظة نتوقع استيقاظه و فِعْل أي شيء مُفاجيء يُضحكنا
الفصل السادس
في عين حلوان الكبريتية
حين وصل عُوْدَه للنجمة الثلاثين في كراسته كما وعدته كان لابد و أن أفي له بوعدي ، فُسحة في عين حلوان الكبريتية ، بالفعل كانت أُمي مُستعدة منذ الصباح الباكر بسندوتشاتها و الماء ، فخرجنا ثلاثتنا ، كان المترو وسيلتنا الأسهل ، المسافة لا تزيد عن محطةٍ واحدة ، و كان اليوم جُمعه وإشراقة الشمس فيه ناعمة ، فنحن في مَطلع نوفمبر من عام 1965، فترة الخريف الجميلة التي تحلو فيها الفُسح و الحدائق ، مثلها مثل فترة الربيع ، حين وصلنا وجدنا عشرات الأُسر قد سبقتنا لهناك ، و كان عُوْدَه شغوفا جدا لرُؤية هذه العين العجيبة التي يخرج منها الماء طبيعيا باردا مُندفعا من أعماق الأرض المرتفعة عن سطح النيل بأكثر من ثلاثين مترا تقريبا
و بمجرد دخولنا من بوابة الحديقة كانت عيون عُوْدَه تتجه مباشرة نحو الماء المندفع و الَمدْرج الضيق الذي تندفع
و تجري خلاله لأسفل ، و الأولاد الصغار بداخله يلبسون فقط الشورتات و أهاليهم يجلسون على أطراف المَدْرج من الجهتين يضعون أرجلهم في هذه المياه الكَبريتية الباردة
لم يعتاد عُوْدَه على رؤية مثل هذه المشاهد ، فقط تذكَّر كيف كان الأولاد الصغار في قريته يلعبون في تِرعة صغيرة لديهم و هم يلبسون مثل هذه الشورتات
كان أول سؤال على لسان عُوْدَه :
_ هي الميَّه دي يا جِيهان فيها كَبريت بيولَّع ؟! و الناس دي كلها مش خايفين من النار ؟!
_ لا ياحبيبي مش كَبريت بيولَّع ، الميَّه دي فيها مادة كَبريتية مُعيَّنة بتعالج الأمراض اللي في جِلْد و جسم بعض الناس
_ بتعالج ! يعني الميَّه دي من عند دكتور زيِّك و لا من المستشفى ؟!
_ يا عُوْدَه دي ميَّه من عند ربنا ، بُص شُوف خارجة إزاي من الأرض لوحدها !
_ طب إحنا عاوزين منها إيه؟ إحنا مش فينا حاجة
_ حتى الإنسان السليم محتاجها عشان تقوي مَناعة جِلْده قبل مايتصاب بشيء وحش
_ يعني هنعمل زي الناس دي إحنا كمان ؟!
_ طبعا طبعا تعالى ننزل فيها برجلينا شوية و نغسل وشِّنا منها
غدا ينتظركم عُوْدَه والدكتورة جِيهان
ْ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق