الاثنين، 11 سبتمبر 2023

الثلج الدامي
الجزء الرابع و الأخير 
الثأر  
لجأ الكل لفراشهم حسب وقت الضيعة المحدود، السابعة ليلا.
ومع منتصف الليل سمعت حواء صرير خطوات تتنقل في ممر المنزل. سكنت وركنت إلى زوجها... اغلقا الباب وبقيا يتتبعان اتجاه المشي... فتح الغريب باب المطبخ ثم اغلقه، صعد أدراج قاعة الاستقبال وأوصد باب الدار... سكت حس القدمين لبرهة طويلة... بان ضوء شمعة تصعد سلم العلية ... أخذ الأجنبي يبعثر الادباش المتراكمة.
وجد صندوق جميل كتب عليه "لينا" فتحه فأغمي عليه من تعفن جثة الميتة...
وعندما رجع إلى نفسه... التقت عيناه بعيني الزوجين أمامه. عنفاه... ما حقيقة قدومك إلى ضيعتنا، قالا بصوت واحد؟
جئت لأعرف ماذا فعلتم ببنتي؟
انقض عليه الزوج... طفأت الشمعة... بدأ الشجار في الظلمة... وتعالى الصياح والركل واللطم حتى سال الدم وشوه وجه حواء...
صاحت... هل قتلته يا سالم؟ هل قتلته يا سالم؟...
لا جواب ولا حركة... من لقي حتفه؟
نزلت بسرعة ونزعت السلم وهرولت نحو باب الدار فوجدته مغلقا... حينها اتجهت نحو الباب الخلفي أين يقع الإسطبل وهربت والثلج والعاصفة تنفخ.
اختفت بين المعز وتسلحت بمنجل وبقيت تترقب... مرت ساعات وبدأ البرد يلذعها وينقص من انتباهها... غلبها النوم... صارعت من جديد ضد سباتها. ولكن هيهات التعب غلبها وحال ضد عزيمتها.
ليلة الشموع الاسيرة بعثرت الجثث.
يفتح باب القبو فجأة. سالم، تناديه بهدوء... مرحبا... لقد هلوست.
سقط قناع اللياقة، وأظهر الرجل وجها مجنونا. إنه ليس زوجها. لقد كان الدخيل. أمسكها بقوة من رقبتها دون أن ينبس ببنت شفة، وكانت نظراته مشتعلة بالكراهية، ولكن أيضا بنوع غريب من الأمل. دون أن يتركها يسحبها نحو البئر. كان عليها أن تدافع عن نفسها، والآن تبدو الفكرة سخيفة للغاية بالنسبة لها. شعرت بالإرهاق، وشعرت بأنها غير قادرة على حماية نفسها من المصير الكارثي الذي كان ينتظرها.
اين ابنتي؟
أريد أن أعرف ماذا فعلت ببنتي؟ هل قتلتها؟ وأين دفنتها... عنفها مرات عديدة... قاومت حاولت ان تتحداه ولكن ميزان القوى كان غير متوازن.
اعترفت بجريمتها... نطقت وجفونها تنهمر مطرا ملطخا دماء
أين وضعت جثتها؟
لم يرحمها... استغاثت... انقذوني...
هل اغثت ابنتي عندما طلبت منك الرحمة؟
غير بعيد من الضيعة... اجتمع القانون وركبوا سيارة عابرة الثلوج واتجهوا نحو الدار النائية.
لقد مر وقت طويل منذ أن رأيت الزوجين، وبما أننا لا نستطيع الاتصال بهما، قررت الذهاب إلى هناك بنفسي لمعرفة ما إذا كان كل شيء على ما يرام. وقفت وهول المشهد يغشي بصيرتي ونظرت فلم ار سوى خيال الموت المريع منتصبا بين الجثث الملطخة بالدماء الجامدة. ومن ثم لديك صور المشهد... حدث الشرطي.
عثرت على جثث قديمة نتنة وأخرى حديثة مؤثرة...
لينا، رمة في صندوق من الخشب ذهبي اللون
سالم في بحر من الدم والسكين مغروس في صدره
حواء على ركبتيها قابعة في الاسطبل، ماتت من شدة البرد...
وأمامها المفقودة معلقة في البئر...
قالت المفتشة سامية ما تبقى لنا إلا ان نعثر على الجاني...
قد يكون شخص جاء من القرية.
أكرر، سيدتي المفتشة، أشك في أن يتمكن أي شخص من القيام بالرحلة في قلب الشتاء ويغامر بنفسه عبر طريق تراكمت عليها امتار الثلوج ووسط مزارع مهجورة منذ سنين... ولأي سبب يقوم بهذا؟
دعنا لا نزيل أي دليل يقودنا إلى القاتل.
بعد اسبوع اتصلت المفتشة بوالدة البنت المفقودة لتعلمها بما حدث.
انقطع صوت الأم...
وبعد تردد، أخبرتها عن غياب زوجها من المنزل منذ أشهر بعد طلاقهما اثر شجار يخص بنتهما.
واعلمتها كذلك انه سافر حسب البطاقة السريعة التى ارسلها اليها، مع بعثة صحية اممية، إلى قرية الزويتينة * من غابات عين دراهم، في مهمة عمل عن مخاطر دخان المرادم على صحة العمال ثم للبحث عن اسباب قلة الفحم النباتي في فصل الشتاء وتأثيره على عيش السكان؟
يالها من صدفة!
انتهت
بقلمي عبد الفتاح الطياري
تونس 
* الجزيرة : المردومة في عين دراهم التونسية.. الدفء الأسود للفقراء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق