السبت، 14 أكتوبر 2023

العقل البشري: إنَّ لفظة عقول مجموعة على فعول وهي من جمع الكثرة، ووقع جمعها على فعول لقوة المعنى الذي تتخذه.
إنَّ العقل البشري يتكون من أربعة عقول مجموعة في عقل واحد، قال تعالى ( أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آ ذان يسمعون بها فانها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) الحج: ٤٦ولهذا العقل البشري له منظم ينظم المعلومات الواردة والصادرة من وإلى الدماغ، ويقع هذا المنظم في العقل البشري نفسه، ويوجد منظم معلومات آخر في الدماغ يعمل على تنظيم المعلومات الواردة والصادرة إلى العقل، ولكل عقل من العقول منظم خاص به يعمل على انتظام ونظم المعلومات بينه وبين المنظم العقلي، والمنظم العقلي يعمل مع المنظم الدماغي، وكذلك الدماغ له حافظتان ولكل واحدة منهما منظم يعمل على انتظام ونظم المعلومات الواردة والصادرة.
العقل البشري يتكون من أربعة عقول: العقل المفكر، والعقل الحافظ، والعقل المذكْر، والعقل الماسح، قال تعالى ( أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فانها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) الحج: ٤٦وكلمة (القلوب) ذكرت في الآية الكريمة ودلت على أنَّ العقول في قالب واحد، وكل واحد من هؤلاء العقول له عمله الذي وكلّه الله تعالى به، وهذه العقول لا يمكن أن يختلط عملها فيما بينها، لأن من واجب عمل المنظم؛ تنظيم هذا العمل. وكذلك الحافظتان في الدماغ لا يمكن أن يختلط الأمر عليهنَّ؛ لأن الاختلاط يؤدي إلى فساد المعلومات وإنْ كان عملهنَّ هو حفظ المعلومات فقط، فيتصور الإنسان لا فرق بين حفظ المعلومات الذاكرة وحفظ معلومات الحافظة، وذلك لأن معلومات الذاكرة تختص بالدين والأمور التي تجنب الإنسان الوقوع في الخطر. قال تعالى ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير منمشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون الى النار والله يدعو الى الجنة والمغفرة باذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ) البقرة: ٢٢١، قال تعالى ( ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد نا أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدىورحمة لعلهم يتذكرون ) القصص: ٤٣ ، قال تعالى ( ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ) القصص: ٥١
، أما الحافظة لحفظ المعلومات، فهي تختص بجميع ما يفكر به العقل ويحتاج لهذه الحافظة، في استخراج المعلومات منها، والتصدير إليها المعلومات المهمة التي استنتجها.      
 وهذا الورود والتصدير يأتي من أمر العقل المفكر للعقل الحافظ والعقل الحافظ للمنظم، فيستخرج من الحافظة ما طلب منه، ويصدر كذلك للحافظة ما طلب منها أيضا. والحافظة منظمة على عدة خزائن. منها للصور، والثانية للألوان، والثالثة للأشكال، وغيرها من خزائن.
قال تعالى ( ومنهم من يستمع اليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وان يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى اذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا ان هذا الا اساطير الاولين ) الأنعام: ٢٥، قال تعالى ( سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق وان يروا كل اية لا يؤمنوا بها وان يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وان يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بانهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ) الأعراف: ١٤٦، قال تعالى ( أولم يروا أنا نأتي الارض ننقصها من اطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه  وهو سريع الحساب ) الرعد: ٤١، قال تعالى ( أولم يروا الى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرين ) النحل: ٤٨، وهذه الآيات خير دليل لما اسلفته آنفاً.
والعقول الأربعة هي التي تسير بالإنسان في هذه الحياة على منهج اتخذ سبيلاً له. ولكل عقل له مهمة محددة يعمل بها.
العقل المفكر: هو أكبر العقول نفعاً للإنسان، كما أنه لا يستطيع أن يحيا الإنسان مفرداً به، ولا من دونه. وهذا العقل قد ذكره الله تعالى في كتابه الكريم، قال تعالى ( أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة ان هو الا نذير مبين ) الأعراف: ١٨٤، قال تعالى ( أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والارض وما بينهما الا بالحق وأجل مسمى وان كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون ) الروم: ٨، ودلت الآيتان على التفكير بما وكله الله تعالى.
العقل الحافظ: وهو العقل الذي يتعامل مع الحافظة في الدماغ على نحو متواصل، ولا يختص بأي عمل مع المحيط الخارجي؛ لأن هذا من عمل العقل المفكر، وهذا العقل يأخذ المعلومات من الحافظة عبر المنظم، عن طريق أوامر العقل الماسح. ويبدأ بالتعامل معها على أنها من المحفوظات، مثلاً يرسم الشكل الذي حفظ في الحافظة كما هو موجود، ويضع الملامح عليها كما حفظتْ، ويرسم الصور التي رآها من قبل، وأقصد بالصور هي الجمادات، فهذه لها صور وليس أشكال؛ لأن الشكل عندما يفكر به يضع الملامح عليه، والصور ليس لها ملامح بل خطوط محفوظة لا تتغير، وكذلك الألوان التي نراها فلكل لون مرسم خاص، وهو الأزرق على صفاء النفس، والأبيض على السلام، والأحمر على الخطر، وهكذا بقية الألوان. وهذا العقل كثيراً ما يستعين بالعقل المفكر، فعند استخراج الأمور المحفوظة وتحتاج إلى التفكر، فيقوم هذا العقل بإرسالها إلى العقل المفكر عبر المنظم، وهكذا في كل مرة، ونجد كذلك العقل المفكر يحتاج إلى العقل الحافظ فيقوم العقل المفكر بإرسال المعلومات التي يحتاجها فيما بعد أو تحتاج إلى حفظ إلى العقل الحافظ فيقوم العقل الحافظ باستخراج منها ما هو مهم فيرسله عبر المنظم إلى الحافظة في الدماغ ويطرح منها ما هو غير مهم عبر المنظم إلى العقل الماسح، فيمحو ما أرسل له. ولا يستعين العقل الحافظ بالعقل المذكر، لأن العقل المذكر ليس له أي ارتباط به، والعكس صحيح.
العقل المذكر: وهو العقل الذي يتعامل مع الحافظة المذكرة في الدماغ، وليس له أي شأن في المحيط الخارجي، لأن ذلك من خصوصية العقل المفكر، والعقل المذكر يأخذ المعلومات المخزنة في الحافظة المذكرة في الدماغ عبر المنظم، عن طريق أوامر العقل الماسح، ويتعامل معها في التذكر. قال تعالى ( ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون ) الأعراف: ٢٠١، فهو يتذكر كيف تكون الصلاة، فهي قيامٌ، وركوعٌ، وسجودٌ، ويتذكر التفاصيل الدقيقة في الحركات والكلمات التي يحتاجها في الصلاة، ومثال آخر يتذكر إنَّ اللفظة الفلانية من القرآن الكريم تقرأ كذا، من إدغام أو إشمام أو إخفاء، وهكذا على بقية الكلام. ونجد العقل المذكر يحتاج إلى العقل المفكر في كثير من الأمور التي تحتاج إلى التفكير، فنجد ذلك مما تعلمه الإنسان من الصلاة، فهي تنهي عن الفحشاء والمنكر. قال تعالى ( أتلى ما أوحي اليك من الكتاب وأقم الصلاة ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ) العنكبوت: ٤٥، فنجد العقل المذكر بعد تذكر الصلاة ويريد معرفة ما المطلوب منها يرسلها إلى العقل المفكر عبر المنظم، فيبدأ بالتفكر بها ما هو المقصود منها هل هي مجرد عبادة لله تعالى أم لها خصوصية ثانية معها؛ فيبدأ التفكير بها وينتهي بنتيجة حتمية وهي المهمة من إكمال الصلاة أو إكمالها على الوجه الحسن؛ وهي أنها تنهي عن الفحشاء والمنكر. قال تعالى ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ان الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) هود: ١١٤ ، وهذا العقل مهم جداً في العبادات ومحاربة الشيطان الرجيم. فهو مسخر لهذه الإرادة في الكثير من عمله.
العقل الماسح: وهو العقل الذي ينقسم عمله إلى قسمين: قسم يختص بالعقول والمنظمات وله بها عملان. العمل الأول مع المنظم في تسجيل التواريخ على المعلومات على نحو دقيق. والعمل الثاني هو مسح جميع المعلومات التي تدخل إليه، وليس له أي علاقة في المعلومات المهمة أو المعلومات غير المهمة، فهو مرتبط مع جميع العقول ارتباط مباشر، وكذلك مرتبط ارتباطاً مباشراً مع الحافظتين عبر المنظم، فهو يطلب المعلومات التي فات عليها وقت من الحفظ فيمحوها، وكذلك كل ما يرسله له العقول من معلومات فهو يقوم بمحيها بمجرد الدخول له. قال تعالى ( وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) الفرقان: 23 والقسم الثاني يختص بالحركات الإرادية والحركات غير الإرادية. وينقسم منها ما هو أعقد من هذا وهو العمليات التي يقوم بها الجسم كي يحيا، مثل الطاقة الكهربائية؛ كيفية تجميعها وكيفية التعامل معها في الجسم، عملية التنفس، عمل الأعصاب، العصارات الهضمية، والعصارات الأخرى، الإفرازات الهرمونية، عمل القلب، عمل باقي الأجهزة في الجسم.
فكل هذا هو من مسؤولية العقل الماسح، فهو منظم عظيم ومسيطر قدير على كل هذا. أما الحركات الإرادية فهي الحركات المعتادة مثل حركة اليد، وحركة الرجل، وحركة دوران الجسم يميناً وشمالاً، والقعود والجلوس والوقوف، المشي والركض، الضرب باليد والرجل، الكتابة والقراءة، وإلى غيرها من العمليات الإرادية.
فكل هذه الحركات هي من العقل الماسح تصدر، ويتفكر بها العقل الماسح على قدر كيفية الحركة بها، وليس التفكير بقصد التفكر، لأننا نجد أنفسنا نتحرك ولا نتذكر كيف تحركنا؟ ونجد أنفسنا نلتفت. ولا نعرف لما التفتنا؟ وننهض ونقعد. ولا نعرف لما فعلنا هذا؟ وكلها تصدر أوامر من العقل الماسح، فلهذا السبب لا نعلم لما فعلنا هذا؟ والسبب هو سرعة العقل الماسح لا تسمح لنا بالتذكر لما فعلنا هذا؛ لأن الأمر يُمسح من قبل العقل في لحظته. وعندما نفعل حركة ونحن فكرنا بها، ففي هذه الحالة يصدر العقل الماسح الأمر بإرسال هذه العملية إلى العقل المفكر، وبهذه العملية نجد أنفسنا نتذكرها أما باقي الحركات لا نتذكرها. وكل هذه الحركات والأفعال التي يقوم بإصدار أوامرها العقل الماسح، لهذه الأجهزة تخزن في حافظة خاصة بها، قال تعالى ( وان عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ) الانفطار: ١٠ – ١٢وهذه الحافظة لها منظم معقد وهو يعمل على تخزين كل هذه المعلومات وينظمها على نحو دقيق، مع تسجيل التواريخ الدقيقة عليها. ويعطي للعقل الماسح جميع المعلومات التي سجلها ويطابقها العقل الماسح مع معلوماته في تصدير الأوامر. ومن هذا نجد أننا نعلم بساعة جوعنا، وساعة نومنا، وساعة نهوضنا، وغيرها من المعلومات لدى الإنسان المتتبع لهذه المعلومات.
المنظم:إنَّ عمل المنظمات فيالعقول، هو تسجيل المعلومات حين دخولها وخروجها، بأمر من العقل الماسح. في كل مرة في استدعائها أو توريدها إلى الحافظتين، ونجد المنظم يسجل تلك المعلومات بتواريخ كاملة؛ أي الساعة واليوم والشهر والسنة واللحظة التي يقوم بها هذا العمل، وبالليل أم بالنهار، ونجد هذه المعلومات يكتب عليها تاريخ محيها من الحافظتين، وكل هذه المعلومات موجودة في العقل الماسح. ويطلبها حين يأتي تاريخها، فيقوم بمحوها، ومنها مهمة للإنسان فيرسلها إلى العقل المفكر ويصدر أوامره أما بحفظها مرة ثانية، أو بمحيها. قال تعالى ( وان عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون )ﱠالانفطار: ١٠ – ١٢وهاتان الآيتان المقصود بهما العقول من قوله تعالى:ﭽﮃ  ﮄ ﭼوبالعقول فضل الله تعالى الإنسان عن الحيوان، قال تعالى ( ولقد كرمنا بني آدموحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) الإسراء: ٧٠ وقد ذكر الله تعالى الآية الكريمة بصيغة الجمع، والعقول هي الوحيدة التي تكون قريبة من هذا المقصود، والعقل البشري جعل الله تعالى مكانه في عصب العين؛ وترى هذا العصب متكوناً من ملايين الشعيرات المتحدة مع نفسها، وكونت بذلك هذا العصب العظيم. وترى هؤلاء الشعيرات قد تفرقت عند الدماغ، وانتهت أيضاً عند العين، بتفرعات أقل كثيراً عن تفرعات الدماغ.
والعين تعمل بوساطة الشحنات التي يدفعها العقل البشري إليها، فهي ترى بوساطة الشحنات الكهربائية الآتية من العقل البشري. أما التفرعات الداخلة إلى الدماغ فكل شعيرة لها عملها الخاص بها. والعقل البشري مكانه في وسط عصب العين، قال تعالى ( وأبصر فسوف يبصرون )الصافات: ١٧٥، قال تعالى (وأبصر فسوف يبصرون ) الصافات: ١٧٩، فهاتان الآيتان الكريمتان تمثل النظر والبصر، فالاثنتان في مكان واحد ولا يختلف مكانهما عن موقع العين وموقع العقل، وكان مكان العقل بين الدماغ والعين. وإنَّ حجم العقل لا يتجاوز حجم حبة العدس، وهما عقلان في العين اليمنى والعين اليسرى، بنفس المكان لا يتقدم أحدهما ولا يتأخر عنه ، قال تعالى ( وهديناه النجدين ) البلد: ١٠
قال تعالى ( اذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد ) ﱞﱟﱠﱡﱢﱠق: ١٧ - ١٨ الآيتان الكريمتان دلتا على أن الإنسان له عقلان اثنان، كل واحد منهما يعمل بطاقة نفسها ولا يختلف أحدهما عن الآخر في التفكير، والاثنان يسجلان ما يفعله الإنسان.

من كتابي اللغة مبنى ومعنى

الباحث محمد عبد الكريم الدليمي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق