الثلاثاء، 24 أكتوبر 2023

الماء و الملح
الجزء الثاني
واصلت امي خرافاتها بهدوء اولمبي رغم تلاطم الخفافيش علي شبابيك البيت... كنت من فوق فخذها الأيسر أسارع النوم والخوف.
صمتت طويلا ثم حدثت قالت : 
"  بعد وفاة مجنون قريتنا في ظروف غريبة، اكتشف حفيده في وثائقه، أنه من طائفة تعبد مخلوق لا يوصف، تمثال عظيم، نائما منذ ملايين السنين في شط الجريد وكان اسمه "حامل الملح".  
أسطورة نقلها إلينا جد أبيك عن أبيه القاطن بحامة قابس، كان فحمي اللون ، قالتها بتردد وبصوت خافت وكأنها تخاف أن يسمعها دخيل." 
تقول القصة أن الله عندما خلق العالم جعل البحر عذبا كمياه جبال زغوان النقية. وهكذا أصبح لدى الإنسان سمك يأكله، وشراب لا ينضب.
 وفي أحد الأيام، اكتشف الخالق أن مستوى سطح البحر آخذ في الانخفاض.
لا شك في أن هناك مكيدة!
 فبحث عن السبب.
رأى بعوضة تشرب من البحر على حافة خليج قابس. كانت الحشرة، تضخ بقوة لدرجة أن جزر جديدة مثل جربة وقرقنة ظهرت في كل مكان.
كانت الأسماك تموت. وانفصل الشط الكبير الذي كان يسمى شط فرعون، عن البحر.
أمام تلك الكارثة، لم يستطع الله أن يضحي بمخلوقاته
فحاول إيجاد حل لإغاثة عباده الأبرياء.
ألقى كمية هائلة من الملح في البحر... اتجهت البعوضة، المشمئزة نحو الشط حيث كانت تقطر منه... لكن الشط كان مالحا كالبحر...فماتت عطشا. 
تبسم الله وشكر، ووزع الملح الزائد على الناس ليعلمهم كيف يحفظون السمك والماء والملح معا.  
 ومنذ ذلك الحين، أصبح البحر مالحا… والصيد متوفرا والملح كذلك... وتحولت الأمانة إلى خيانة وعمت الأنانية وتغيرت نفوس الناس يأكلون مع بعض في طبق واحد ويغدرون ببعض. وضاع الوفاء وضاعت الثقة وأصبح لا ماء ينفع ولا ملح يشفع.
الماء هرهار والملح غدار تقول أمي بصوتها المتردد وتعاود على سمعي المثل الشعبي المتداول عندنا، "دخل لدارك القمح والشعير أما الفول قرباع."
ودمع أمي على وجنتي انهمر... ونادت ألا من نصير يؤازر قلب كواه القهر.
هل هي صيحة حسرة على تلك الزمان الجميل أم حيرة على ما يحوم حولها من غربان ام تفكرت حياتها  الخالية من دفء بعلها المسجون من جراء جفاف الماء وغدر الملح طلبا للرزق في عهد ضاع فيه الاطمئنان.  
دمعات امي لم تفارقني من تلك الزمان إلى حد الآن؟؟؟
لم افهم لماذا يا ترى؟
يتبع
بقلمي عبدالفتاح الطياري - تونس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

-( عيد ميلادي)- في الخامس من آب بعضُ طينٍ وماءٍ صارا أنا والى أنْ يختلفا سأبقى هنا... لم تكنْ صدفة أو لقاء عبثي بين عنصرين بل تحدٍّ وامتحان ...