السبت، 23 ديسمبر 2023

فاطمة.
في الخامسة عشرة من عمري، كنت مصابا بالتهاب السحايا. بدأ المرض في الخريف وانتهى في الربيع. كانت نهاية العام باردة ومظلمة، وكنت ضعيفا. ولم أتمكن من العودة إلى المسار الصحيح إلا في شهر جانفي.
كان الجو دافئا، قامت والدتي بإعداد السرير على الشرفة. رأيت السماء والشمس والغيوم وسمعت الأطفال يلعبون في الشارع. وفي بداية فيفري، سمعت غناء الشحرور.
كانت رحلتي الأولى بعد مرضي، من شارع الإيطاليين حيث كنت أعيش تحت سقف مبني على الطراز الاستعماري، هي الذهاب إلى المحطة لاصطحاب أختي التي كانت عائدة من العاصمة حيث كانت تتلقى دورات طبية.
في الشارع القريب من المحطة، غلبني القيء. كل خطوة تكلفني ثقلها من العرق. ساقاي بالكاد تحملني. فمي جاف ولدي انطباع بأن أعضاء معدتي كانت ثقيلة وفي غير مكانها. أشعر بالخجل من كوني ضعيفا جدا. وأحسست بالخجل أكثر من التقيؤ. ثم اتكأت على الحائط ونظرت إلى القيء عند قدمي، على ثيابي... أغمي علي. لا أعقل بأي شيء.
المرأة التي جاءت لمساعدتي فعلت ذلك بوحشية تقريبا. استيقظت بعنف. أخذتني من ذراعي وقادتني عبر مدخل مظلم إلى فناء داخلي لمبنى متضرر.
ومن نافذة إلى أخرى، كان الغسيل معلقا بالحبال. ويتم تخزين أكوام من الخشب في زاوية محمية من سوء الأحوال الجوية.
بالقرب من الباب الذي دخلنا منه يوجد صنبور. فتحته المرأة، وغسلت يدي أولا وأخذت الماء في جوف كفها، ورشته على وجهي. ثم مسحته بمحرمتها .
بعدئذ، أخذت سطلا من الماء بينما طلبت مني أن آخذ دلوا آخرا... بحركة كبيرة، ترمي الماء على الرصيف، فيحمل التدفق القيء إلى المزاريب.
وقفت ورأت أنني كنت أبكي. يا فتى، قالت مندهشة تماما، يا فتى، هذا لا شيء، إنه يحدث حتى للكبار... توقف عن البكاء... تسألني أين أعيش؟
وضعت الأسطال في مدخل المبنى ورافقتني بيد واحدة إلى المحطة. إنها تمشي بسرعة وبطريقة حازمة لدرجة أنني أتبعها دون تردد. وأمام القطار تتركني وبخطوة حازمة تختفي دون أن تقول لي كلمة واحدة.
وبعد ثلاثة أشهر، اشتريت باقة من الزهور وذهبت لأشكر المرأة التي أنقذتني. المبنى الواقع في شارع المحطة لم يعد موجودا... لا أعلم متى ولماذا تم هدمه؟
لم أكن أعرف اسم المرأة. باقة الورد في يدي، عزمت الرحيل. وفجأة، ظهر رجل من المبنى وسألني عمن أبحث؟
وبعد وابل من الاسئلة، أرسلني إلى منزل السيدة "فاطمة" في شارع الزهور.
وجدتها جالسة على الأرض، في زاوية غرفة صغيرة مظلمة دون مرايا أو سجاد. كانت هي البوابة. أهديتها الزهور... مسكت بيدي وقالت لي: من أنت؟
أنا ذاك الفتى ذو القيء!
بكت وبكيت معها.
أخذتها من يدها ورافقتها إلى منزلنا، ثم قدمتها لوالدتي... ومنذ ذلك اليوم صارت أمي الثانية.
بقلمي عبد الفتاح الطياري
تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق