الخميس، 11 يناير 2024

الاخطبوط *** بقلم محمد يحيى الورع

الأخطبوط:
قصة واقعية
2 يناير 2024م

الحلقة الأولى:

أغترب صالح أحمد حسين البوري في بريطانيا، وعاد لقريته في المنطقة الوسطى من اليمن، وبحث عن زوجة تتلاءم مع طباعة المكتسبة من غربته في بريطانيا. ونصح أصدقاء صالح حسين البوري الزواج من يمنية مولدة عائدة من أثيوبيا، واسمها حليمة؛ لانفتاحها وطبيعتها المتمدنة، وتزوجها صالح البوري، وأنجبت مولوده الأول بنتاً سماها سعدية، وتوفيت وعمرها ستة أشهر، لتحمل زوجته حليمة مرة أخرى، وأنجبت له ولداً سماه عبده صالح البوري، ولم يتوافق صالح البوري مع زوجته حليمة؛ لقوة شخصيتها، وفرض إرادتها، وغيرتها العمياء، واضطر لطلاقها، والعودة لمهجره في بريطانيا، والزواج من بريطانية يهودية الديانة، وانسجم معها، ولم تنجب له أولاداً، وعند قيام صالح البوري وزوجته بفحص الإنجاب، بينت الفحوصات أنه عقيم، ليصاب بعقدة الشك من إنجابه لبنته سعدية وابنه عبده، بالرغم أن الأطباء أخبروه احتمال إصابته المتأخرة بالعقم، وتعقد من اليمن وولده عبده، وعاش في بريطانيا، وراسله أهله لينفق على ولده، ولم يستجب؛ للشك والعقدة اللذين أصابه.
تكفلت والدة عبده صالح وأخواله بتربيته، وتعليمه الفترة الأولى في النادرة، وعملت والدته في المنازل والحقول، لتوفر له حياة كريمة كغيرة من أقرانه، وشاع خبر أن والده لا يعترف أن عبده ابنه، ونصحنه خالاته أن يكون رجلاً على نفسه، ولا يراهن على والده، وقبل أن يتجاوز عبده صالح البوري الابتدائية، أخذه أخواله ليدرس في مدينة تعز، وأسكنوه في القسم الداخلي، وأرغموا والدته على تركه يدرس، ويشق طريق مستقبله في تعز، لتقبل على مضض، وتظل طيلة الليل والنهار تتذكره وتبكي عليه، واستمرت بالعمل في المزارع والمنازل، إضافة لحصولها على بعض المساعدات من إخوتها المغتربين في السعودية، وترسلها لابنها عبده صالح البوري، حتى لا يشعر بالفارق مع زملائه، ومع ذلك ظل المبلغ شحيحاً أمام ما يحصل عليه زملاؤه من أهلهم.
واضطر عبده صالح للعمل في أوقات فراغه، لتنظيف الصحون والطاولات والحمامات وأراضي المطعم، للحصول على مبلغ إضافي لما ترسله والدته، ليساعده في نفقات دراسته، وبعد فترة حصل على عمل لدى أحد الشحاتين العميان، ليقوده للشحاتة، ويشرح عبده صالح لمن يقابلا عن وضع الأعمى المأسوية، ويثير شفقتهم ورحمتهم، ويعطونه مبالغ مالية، ويغالط عبده صالح الأعمى، بأخذ جزء منها، وفي بعض الأوقات يمد يده دون أن يطلب أو يتكلم، ويأخذ المبلغ ويضعه في جيبه الخاص.
عندما ينوي عبده صالح السفر لقريته لقضاء الإجازة، يخبر أخواله بوقت سفره، ووصوله لقريته (ذي حوران)، وتستعد والدته لوصوله، وتلقاه لمشارف القرية قبل أربع إلى خمس ساعات، وتنتظر وصوله، وعند رؤيته لوالدته عن بعد، يغير طريقه للقرية لاستعارته منها، وتجنباً لمناداة أهل القرية له بأبن المرملة، أو ابن حليمة، وإثارة عقدته بالتشكيك بنسبه، لعدم اعتراف صالح حسين البوري أنه ولده، ولا تعرف والدته وصوله للقرية إلا من خلال المسافرين، وتعود مهرولة، وتبحث عنه حتى تجده وتحتضنه، ويقابلها بالجفاء والشتائم، وتتحمل تصرفاته.
حاول الكثير الزواج من والدته ورفضت، حتى لا يكون عبده يتيم الحيين، واستمرت في رعايته، وإرسال المبالغ التي تحصل عليها من تعب عملها في المنازل والحقول، لينجح في دراسته، ويحقق أملها بالوصول للحظة التي تحلم أن يكون عبده صالح البوري دكتوراً، ويعتقها من معاناة وتعب الخدمة في المنازل والحقول.
أمتنع عبده صالح البوري العودة للبلاد؛ بسبب مناداته من أهل القرية والقرى المجاورة ابن المرملة أو ابن حليمة، وعقدته من والدته، وشكه من نسبه لوالده صالح حسين البوري، وعندما يصله رسل والدته بمبالغ مالية عبر المسافرين من القرية لتعز، ويتوجهون للقسم الداخلي، ويسألون زملاءه عن ابن حليمه، الكثير داخل القسم لا يعرف، عدا أهل بلاده في القسم الداخلي، والذين يلقبونه أيضاً بأبن المرملة، ويتذكر الرسل اسمه ووالده، ويخبروهم أن اسمه عبده صالح البوري، ويدلوهم عليه، وما أن يلقاهم عبده صالح، يأخذهم على وجه السرعة لخارج القسم الداخلي، ويأخذ المبلغ المرسل، ويتخلص منهم سريعاً، حتى لا يشاهد أو يسمع زملاؤه بالقسم الداخلي حديثهم.
وعرف البعض بالقسم الداخلي من تكرار رسل والدته، أن اسمها حليمة، ليدعوه بابن حليمة، ويدخل معهم بعراك وضرب، والبعض عند رؤيته عن بعد يختبؤون في مكان ما، أو داخل العمارات، ويصرخون من السطوح بابن حليمة، والقليل يدعونه ابن المرملة، لتزيد عقدته، ونصحه بعض زملائه الأكبر سناً أن يطنشهم؛ لأن زعله أو عصبيته، ودخوله بمشاكل معهم، يزيد من انتشار الاسم داخل القسم الداخلي، وفي المدرسة، ويضطر أن يطنشهم، وفي بعض الحالات يفقد صبره وصوابه، ويشتمهم بأرذل الألفاظ، ويضربهم أو يعتدي عليهم، لتقوم مجموعة من زملائه أو الواقفين والعابرين في الشارع للفصل بينهم.
يتمنى ويحلم عبده صالح بموت والدته، أو التخلص منها، وفكر أكثر من مرة بالتخلص منها، ليتذكر أنها المصدر الوحيد الذي يرسل له مبالغ تساعده في دراسته، وصل عبده صالح في دراسته لأول إعدادي، وفي خضم نشاط الأحزاب اليسارية والقومية، أستقطبته أحد الأحزاب اليسارية، وأبرز شخصيته من خلال نضاله بالحزب داخل القسم الداخلي والمدرسة، وكل هدفه أو غرضه تغيير وتبديل نظرة الناس إليه، وبروزه كشخصية ثورية، بديلاً لعقدة ابن المرملة أو ابن حليمة.
تعرض الكثير من زملائه في القسم الداخلي والمدرسة للاعتقالات والاغتيالات والإخفاء من الأمن الوطني، ووجد عبده صالح أنه مشتبه به، وإذا اعتقل سيدخل بمشاكل مع الأمن الوطني، وفقدانه لمستقبله، واضطر لمهادنة الأمن الوطني، وربط علاقة متينة وقوية معهم، بتعاونه بالكشف عن بعض النشطاء في القسم الداخلي والمدرسة، ليؤمن رضا وكسب الطرفين، واستغرب الكثير من رفاقه تعرض البعض للاعتقالات والاغتيالات والإخفاء، بينما عبده صالح الذي لا يقل نشاطاً عنهم ليس خائفاً، ولم يجر له شيء، وعندما يلمحوا له أو يخبروه، يتهمهم بالتطرف والتشدد، وعدم مراعاة القواعد السرية.
ويركز عبده صالح داخل تنظيم حزبه اليساري على العناصر القيادية، ويقيم معهم علاقات شخصية قوية، ويؤمن لهم غطاءً وتمويهاً وحماية لدى الأمن الوطني، ويضحي ببعض رفاقه، الذين لا يروقون له في مستواه أو أدني.
أشتهر عبده صالح في أوساط الأحزاب اليسارية كمناضل وطني، وفي أوساط الاستخبارات برجل وطني، يخدم وطنه، ويحفظ أمنه من الأحزاب، وعرض عليه أكثر من مرة العمل في الاستخبارات، كضابط برتبة ملازم أول، وراتب مغرٍ ووافق، بشرط أن يعمل معهم خارج الأمن الوطني كمتعاون، وليس موظفاً كما هو قائم، ودُرس وضعه، وقُبل شرطه، وحددت علاقته بأحد الضباط الكبار، كضابط اتصال بينه والأمن الوطني، ليتواصل معه بين الوقت والآخر، ويقدم له معلومات عن أنشطة حزبه والأحزاب الأخرى، وفي بعض الأوقات يضحي ببعض الأشخاص، ليحققوا معهم ويطرحوا عليهم العمل مع الأمن الوطني، وينصح عبده صالح المسؤول عن قضيتهم، أو ضابط الاتصال إذا رفضوا العمل معهم، تأخذ منهم تعهدات بتخليهم عن تنظيمهم وأنشطتهم الحزبية، وينال عبده صالح رضاء الجهة الاستخبارية.
تميزت علاقة عبده صالح مع الأمن بخفة الظل والنكتة، وتقديمه خدمات لكبار ضباط الأمن، وبهذه الطريقة فرض شخصيته، ووسع علاقته مع الكثير من الضباط الكبار للأمن الوطني، وتقرب لمدير الأمن الوطني في تعز، وخلق معه علاقة شخصية، وأُغدق عليه بالعطاءات، ليقربه إليه، ويحضر معه الكثير من المناسبات الرسمية، ويكلفه بمهام أمنية استخبارية.
كثر الحديث في أوساط حزبه والأحزاب الأخرى عن علاقته بالأمن الوطني، ليدافع مسؤوله الحزبي عن إخلاصه ووفائه، وأن علاقته مع الأمن تمد الحزب ببعض المعلومات المهمة، وأنه لم يثبت عليه الالتزام أو العمل داخل الأمن الوطني.
طرح عبده صالح على مسؤوله الحزبي اقتراحاً، أن يعمل داخل الأمن الوطني، ويمد الحزب بالكثير من المعلومات التي تتعلق بالاعتقالات والمساجين الحزبين، ورد عليه: إن هذا الاقتراح خطير، ويستدعي عرضه على القيادة الحزبية، وعرض مسؤوله اقتراحه على القيادة الحزبية في تعز، ونُوقش الاقتراح، وبعد تأكدهم بعدم التزامه أو عمله داخل الأمن الوطني، كُلف أحد القيادين بالجلوس معه عبر مسؤوله الحزبي، وتحدث معه حول اقتراحه، واختبر مدى التزامه وقدرته كحزبي للعمل داخل الاستخبارات، ووجد أنه يمتلك إمكانيات وقدرات غير عادية، ووجهت له العديد من الأسئلة عن علاقته بالأمن الوطني، وأخبرهم أن علاقته مقتصرة على أشخاص من بلاده، ومن خلالهم تعرف على الكثير من الضباط والمخبرين الذين يعملون مع الأمن الوطني، وأن الفرصة الآن مواتية ليعمل داخلهم، ويمد الحزب بالكثير من الأخبار عن اعتقالات مسبقة، ووضع السجناء الحزبيين في الأمن الوطني.
وأخبر المسؤول القيادي عبده صالح، أن العمل في أوساط الأمن الوطني خطير، وقد يفقد حياته، ورد عبده صالح قائلاً: إنه تمرس واكتسب خبرة وحصانة حزبية كبيرة، تمكنه من العمل داخل الأمن الوطني بسرية، ودون أن يُكشف. وعاد القيادي الحزبي لمناقشة وضعه مع قيادة الحزب في تعز، وقرروا إجراء دورة لعبده صالح بالعمل الأمني، وكلف ببعض المهام الأمنية، وقيم ووجد أنه يمتلك قدرة على تحمل المهمة، وقررت القيادة الحزبية إبعاده عن عمله الحزبي، ويرتب له وضعاً حزبياً خاصاً، ليتصل بمسؤوله الحزبي على انفراد، لتكليفه بمهام، وتلقي المعلومات منه.
وحقق عبده صالح مشروعية حزبية للعمل في أوساط الأمن الوطني، وعمم مسؤوله الحزبي على رفاقه، أن عبده صالح فُصل للشكوك التي تدور حوله عمله مع الاستخبارات، ليناقش رفاقه وضعه، وأعطوا المزيد من المعلومات عنه، وأغلق المسؤول الحزبي النقاش، وطلب عدم تكراره.
أرسل عبده صالح رسالة لأخواله، يخبرهم بعدم حاجته للأموال التي ترسلها والدته، وأن وضعه قد تحسن، بحصوله على عمل في أوقات فراغه، كمحاسب في أحد المحلات، وانقطعت علاقته تماماً بأخواله ووالدته في البلاد، ليسألوا عنه بين الوقت والآخر القادمين من تعز.
يمرر عبده صالح بين الوقت والآخر معلومات لحزبه، عن إقدام الاستخبارات اعتقال بعض الأشخاص، ويقدم أخباراً عن المساجين الحزبين، وبنفس الوقت يقدم للأمن معلومات عن الأنشطة الحزبية، وخاصة للأحزاب اليسارية والقومية الأخرى، محاولاً الابتعاد قدر الإمكان عن تقديم معلومات عن حزبه، إلا في حالة تكليفه، ووجدها ضرورة؛ لاستمرار عمله مع الاستخبارات، يقدم بعض المعلومات عن العناصر الأكثر نشاطاً في حزبه بأوساط الطلاب، ومع مرور الوقت، أشتهر عبده صالح في الأوساط اليسارية والقومية، كضابط في الأمن الوطني، عدا حزبه الذي يدافع عنه بخجل، ويحاول التهرب من الحديث عنه.
أستطاع عبده صالح استغلال خلافات حزبه مع الأحزاب الأخرى، للحصول على الكثير من المعلومات، وقدمها للأمن الوطني، وبموجبها شن الأمن الوطني حملات واسعة للاعتقالات في أوساطهم، ليحظى عبده صالح بالمزيد من الدعم والمميزات والتسهيلات من الأمن الوطني، كسكن إضافي خارج القسم الداخلي، وتسهيلات في الأجهزة الحكومية، وتحسن وضعه كثيراً.
تخرج عبده صالح من الثانوية العامة، وحصل على نسبة خمسين بالمائة، لا تؤهله الحصول على منحة دراسية في الخارج، واستعان بالأمن الوطني، وحصل على توصية لإدارة البعثات في وزارة التربية، بإعطائه منحة دراسية في مصر لدراسة الصيدلة حسب رغبته، ليظهر التنسيق تعيينه، وأثار استغراب كثير من زملائه، وتأكدوا من عمله في الأمن الوطني، وسافر عبده صالح لمصر، دون أن يؤدي الخدمة الإلزامية بالتدريس.
إلى اللقاء غداً الجمعة بالحلقة الثانية من قصة الأخطبوط.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق