المتأمل اليوم في المؤامرة التي تُحاك حول حروفنا العربية الجميلة, يجد دون أدنى شك أن كل حرف من حروف اللغة العربية اليوم يجلس صامتاً على كبسة زر على لوحة المفاتيح الصماء لا حول له ولا قوة, وأن كتابة هذه الحروف يتم فقط من خلال الضغط على هذه الكبسات دون الالتفاف بها كما تعودنا سابقاً ذات اليمين وذات اليسار, أو الصعود للأعلى والنزول بها للأسفل, ودون الانتباه إلى موقع هذه الحروف في أول أو وسط أو أخر الكلمة, والسير بها قُدماً على الأسطر, أو فوقها وتحتها.
وعند الرجوع إلى ما أكدته عالمة الأعصاب البيولوجية الدكتورة (هدى عقيل) في احدى أبحاثها العلمية أن كتابة الحروف بشكل عام, والحروف العربية بشكل خاص ينمي لدى الأطفال جهازهم العصبي المربوط بالدماغ وأصابع اليد التي تمسك بها القلم, ويكسبهم مهارات حياتية عديدة فيما بعد, مؤكدة في ذلك على أن كتابة الأطفال لحرف الـ(و) مثلاً يكسبهم كيفية الخروج من المواقف والازمات والاحداث الصعبة, وأن كتابة الأطفال لحرف الـ(ع) مثلاً يكسبهم كيفية توسيع دائرة تفكيرهم والتعامل مع بدائل جديدة للموقف الحياتي, في حين أن كتابة الأطفال لحرف الـ(ث) مثلاً يكسبهم كيفية إدارة الوقت بشكل جيد.. وهكذا لبقية الحروف, منوهة في ذلك إلى أن كتابة بعض الحروف على الأسطر يكسبهم الاستقامة في الحياة وعدم الانحراف.
اعتقد جازماً أن لكل حرف من حروف اللغة العربية روحه وجسده الخاصة به, وحين أجلسوه على كبسة جامدة على لوحة المفاتيح الصماء قتلوا فيه هذه الروح وثبّتوا جسده دون حركة, وجردوه من علامات الترقيم الجميلة التي كان تصول وتجول وتتسابق لتقف خلف الكلمات والجمل والعبارات, تلك التي لم يبقى منها إلا اشارة التعجب(!), بعد أن أشبعوا اشارة الاستفهام(؟) ضرباً حتى استقام عقلها وجسدها خوفاً وطمعاً وباتت مستقيمة طائعة لهم.. هكذا(!).
حين أجلسوا الحرف العربي على كبسة دون روح وجسد.. بكتهُ الحركات ثلاث (الضمة والفتحة والكسرة)، ويُضاف إليها السكون, وناحها التنوين بأشكاله الثلاث أيضاً (تنوين الضم وتنوين الفتح وتنوين الكسر), وصرخت من حوله الضوابط الأربع منزعجة (الشد والمد والوصل والقطع).. يا لها من حصر وضبط قسريّ مقصود لحركات الحرف العربي حتى بثّوا فينا عقيدة (سكّن تسلم) وبعد أن سكّنا الحروف لم نسلم من شيء.
نعم, حين أجلسوا الحرف العربي على كبسة دون روح وجسد افتقد أطفالنا قلم الرصاص نوع ( (HPالسعيد بالحرفينH وB, وافتقد أطفالنا معه البرّايه والمحّاية الالمانية.. ولم يعد ينكبُ أطفالنا على دفاتر العربي ذات الخطين, ولا على دفاتر الانجليزي ذات الاربعة خطوط! للأسف الشديد لم نعد نكتبها بأصابعنا.. فضعف معها جهازنا العصبي, وتراجعت أدمغتنا, وفقدنا استقامة الحياة لغياب حرف الالف, وفقدنا الالتفاف على صغائر الأمور لغياب حرف الهاء, والانحناء على كبار السن لغياب حرف الجيم, وتجاهلنا ترتيب الاولويات لغياب حرف الياء, وغادرتنا (واو) الجماعة غير نادمة, وانفكت عن أقلامنا (نون) النسوة المُلثّمة, وغزتنا حروف العلة, وبتنا بين جار ومجرور.
لم نعد نضع النقطة بأيدينا فوق وتحت حروفنا العربية الجميلة, وقد اغلقوا افواهنا بقولهم نقطة أو السطر.. وأتساءل هنا عن أي نقطة وسطر يتحدثوا اليوم, وبتنا نبحثُ عن الفواصل المنقوطة في نشراتنا الجوّية, ولم يعد هناك قرار لكتابة علامتا التنصيص " ", مع السماح لنا باستخدام علامة الحذف (..) من الساعة الرابعة إلى الساعة السادسة بعد الظهر.
اعتقد أن هناك تململ ونفور من بعض الحروف العربية من طريقة ترتيبها وتجاورها على لوحات المفاتيح الالكترونية أو غير الالكترونية بجانب بعضها البعض, فبعض الحروف لا تقبل مجاورة حروف أخرى, كونها لا تجتمع في كلمة عربية واحدة سواء كانت هذه الكلمة دخيلة أو معرّبة, كتجاور حرف الصاد وحرف الضاد, وتجاور كل من الجيم مع الطاء, والجيم مع الطاء.., فهذا نفور مكاني فقط لدى بعض الحروف, ولا يعني ذلك باي شكل من الاشكال تركها وعدم التكلم بها, إنما نفور من جهة عمليات الضبط النحوي والإملائي للألفاظ وتركيب الجملة.
ولأنها لا تحب الجلوس على الكراسي، فقد تفاجأتُ مؤخراً حين رأيتُ الهمزة (ء) الواعدة ترتمي على احدى أزرة كبسات لوحة المفاتيح الصماء.. لم نعد للأسف الشديد نكتبها على السطر, ولم نعد نميلُ معها كنخلة صغيرة ناهدة, أمالتها نسائم الصباح الباكر.
دمتم بخير.
بقلم/ أ.د رشيد عبّاس.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق