الأحد، 5 مايو 2024

« نظرية نقدية حول مفهوم السعادة الاصطناعية والسعادة الحقيقية »

تعددت المفاهيم والأراء ووجهات النظر وتناقضة وتباعدة واختلفت.. بين من يرى أن السعادة مرتبطة بالمال وبالأشياء المادية بشكل حصري.. ومن يرى أن السعادة مرتبطة بالإيمان وبالرضى والقناعة بصفة خاصة.
وسأحاول أن انتقد وأوضح وأبين هذا التناقض بين هذين الرأيين المختلفين ، لنكشف الستار عن هذه القضية التي أشغلت القلوب وحيرة العقول.. فإخطلط الشك باليقين بسببها ، وتعددت الأراء ووجهات النظر كل ينظر للسعادة من منظاره الخاص وهو لا يرد أن ينظر بمنظار غيره، وهذا التعصب لرأي لا يمكن أن يساعد في التوصل إلى تحليل دقيق وشامل لمفهوم السعادة بين مفهوم المادي ولا مادي وبين مفهوم السعادة الحقيقية والسعادة الاصطناعية ، لكن يبقى القاسم المشترك بين وجهات النظر هذه هي كلمة السعادة نفسها، هل هي تقبل هذا الصراع الفكري التعصبي للأراء.. أم أنها منحازة إلى فصيل معين أقصد المادي أو لا مادي أم أنها تحتويهما معا....!؟
ومن المعلوم أن الإنسان مخلوق يحب السعادة بطبعه.. يحب أن يكون سعيداً وأن يعيش سعيداً في أغلب أحواله.. ويكره الحزن وأسبابه وأنواعه... وكل ما يقرب إليه من قول أو فعل أو حال ونحو ذلك.. ولعلى الفقر من أخطر هذه الأشياء وأشدها ضرراً على الإنسان بعد فتنة النساء.
لهذا الإنسان هو في بحث مستمر وغير منقطع عن الأسباب التي يمكن أن تجلب له السعادة وتجعله يعيش سعيداً ... لهذا يسعى كثير من الناس للمسابقة إلى الاشياء المادية بكل أشكالها وأنواعها ولعلى جمع المال أهمها.. لأنهم يظنون ظنا أقرب إلى اليقين بأن السعادة والأشياء المادية مرطبتتان... إذا غاب أحدها غاب الآخر..
والحقيقة أن هناك علاقة، علاقة نسبية بين المال والسعادة وتندرج ضمن أنواع السعادة الإصطناعية لأنها مبنية على المال والأشياء المادية من الدرجة الأولى فقط... مع تغيب شبه تام للأشياء المعنوية والحسية الباطنية المرتبطة بالقلب والعاطفة وبالنفس وبالروح وغير ذلك. فأصحاب هذا التوجه اتخذوا من المال القوة.. فحاولوا أن يشتروا السعادة لأنفسهم بالمال لأنهم يظنون أن المال تحته كل شيء.. وليس فوقه شيء.. لكنهم تجاهلوا هذه الحقيقة أن السعادة احساس وشعور باطني غير مادي لهذا لا يمكن أن تشترى بالمال لأنها لا ترى بالعين ولا تلمس باليد .. ومن أراد أن يشتري السعادة الحقيقية كمن أراد أن يشتري الصحة فلا يمرض أبدا والروح فلا يموت أبدا، فأصحاب هذا الاعتقاد بأن المال وحده يشتري السعادة بل هو السعادة بعينها وهذا الفكر والرأي والتوجه والتصور هو قديم وليس وليد الرأسمالية العالمية أو الحداثة.. بل هو طبع عام في الإنسان.. مند أن خلق الله الإنسان ، فحب المال بأصنافه وأنواعه.. يندرج ضمن المحبوبات الأولى لكل إنسان وهذا الأمر لا خلاف فيه وقد أشار الله عز وجل لهذا الأمر في قوله ﴿ زين لناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة﴾
فقد أتى الله " قارون " المال الكثير حتى ظن أن ماله هو عزه وكبره وسلطانه وقوته ...وأن كل بشر زمانه هم دونه.. فظن أن هذه هي السعادة.. أن تكون أكثر أهل الأرض مالا وخدماً... 
فعندما يعلم إنسان في نفسه علم اليقين وليس في الحقيقة في مثل هذه الحالة يقين، أن كثرة المال ستجعل صاحبها سيدًا على الناس... نعم ربما المال يجعله سيداً على كل إنسان عبداً للمال، ﴿ ياليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم ﴾ نعم بالمال يمكن أن يصنع صاحبه لنفسه السعادة لأن كل شيء من متع الدنيا وشهواتها المادية هو بين يديه أو أقرب إلى يديه... وهذا الإحساس يشعره بالسعادة التي تندرج ضمن السعادة الاصطناعية.. وقد أشار الله تعالى إلى هذه الأمر في قوله ﴿ المال والبنون زينة الحياة الدنيا ﴾ ولم يقول : المال والبنون سعادة الحياة الدنيا، لأن هناك فرق بين زينة الحياة الدنيا وسعادة الحياة الدنيا، فقارون قال الله عنه ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ وهذا كان مجرد توضيح لكي لا يقع الخلط بين المفاهيم عند البعض،
فهذه الفئة التي ربطت السعادة والأشياء المادية وحدها فهذا الأمر لا يستقيم... وهو من المفاهيم المغلوطة والخطئة، لأننا لو نظرنا بعين الواقع والحال إلى الدول الغربية نجد أن نسبة الانتحار مرتفعة فيها مع أن المال و الأشياء المادية متوفرة بين أيديهم بشكل كبير... لكن هذه السعادة المادية التي بين أيديهم سعادة ليس لها أساس يقويها .. بل أنها يمكن أن تسقط في أي لحظة.. والأساس وهو الدين الصحيح والإيمان القوة والعلم والمعرفة ولعلى الانتحار من الأمور المحرم التي حرمها الاسلام بشدة في قوله تعالى ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ﴾ لهذا الإنسان المؤمن لا يفكر في الانتحار مهما أصابه من الشدائد.. بل أنه يصبر ويحتسب فيطمئن قلبه بذكر الله.
والفئة الثانية ترى أن الإيمان وحده يمكن أن يشعر العبد بالسعادة الحقيقية التي أصلها ذكر الله والرضى بقضاء الله وقدره.. وهذا الرأي كذلك رأى ناقص وإن كان له أساس قوي.. فإن الأشياء المادية يمكن أن تزيد من سعادة العبد المؤمن وهذا ما أشار له النبي صلى الله عليه وسلم في قوله « أربع من السعادة : المرأة الصالحة ، والمسكن الواسع ، والجار الصالح ، والمركب الهنيء . وأربع من الشقاء : المرأة السوء ، والجار السوء ، والمركب السوء ، والمسكن الضيق ». (وهذا الحديث صححه بعض العلماء) فالسعادة الاصطناعية لها عدة سبل وطرق .. كلها مرتبطة بالاشياء المادية... أما السعادة الحقيقية فإنها مرتبط بشيء واحد وهو الله، كما بين الله عز وجل في قوله ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ وطمأنينة القلوب ينتج عنها الراحة النفسية والسعادة الباطنية لأن هذه السعادة مرتبطة بالله .. والله هو الذي ينزل السكنية والطمأنينة على قلوب المؤمنين فيشعرون بهذه السعادة الباطنية... وهذه السعادة هي السعادة الحقيقة .. لأن العبد رضي بالله ربا فأرضاه الله في نفسه وفي قلبه..فشعر بحلاوة السعادة المرتبط بالله... ومن هذا كله نستخلص أن السعادة مرتبط بالدرجة الأولى بالإيمان وبذكر الله الدائم والمستمر... كما بين الله عز وجل هذا في قوله كما ذكرنا من قبل.. أما المال والأشياء المادية وحدها فلا يمكن أن تحقق للإنسان السعادة إطلاقاً... بل يمكن أن تصنع له السعادة في فترة محددة من الزمن.. تزول بزوال اسبابها، لكن حقيقته الباطنية تختلف كل الاختلاف عن حقيقته الظاهرية... لأنه يعيش في ضنك و مشقة وضيق و حزن وصراع نفسي وعدم شعره بالرحة وبالسكينة لحظة من الزمن... رغم أنه يتلذة بكل هذه النعم بالليل والنهار.. إلا أنه يعيش في اكتئاب وخوف من المستقبل فهو لم يذق طعم السعادة الحقيقية ساعة حتى اصبح يجد كل هذه النعم بلا مذاق وبلا طعم...لأن روحه تفتقد حلاوة الإيمان والقرب من الله وهذا يشعرها بالعذاب لأنها تعلم أنها لم تخلق لهذا فقط كما أشار الله تعالى إلى هذا في قوله ﴿ وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ﴾ وهنا شرط العبادة لم يتحقق إذن لن يتحقق ما يأتي بعده، لأن السعادة ملازمة للعبادة.
لهذا أقول من تمام السعادة الحقيقية أن يجمع العبد بين الأشياء المادية والعبادة لله إن يسر له الله ذلك، 
لأن الأشياء المادية وحدها لا يمكن أن تحقيق للإنسان السعادة الباطنية الحقيقية مهما بلغ نجاحه المادي إذا كان هذا الإنسان فاقد لدين فاقد للقرب من الله وهذا ما بينه الله تعالى في قوله ﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾.
أما إذا كان العبد فقيراً ومؤمنا بالله وعمله صالح فإن الإيمان والعمل الصالح من أهم الأسباب التي تجعل الإنسان يحي حياة طيبة رغما قلة الإمكانيات المادية...لأن ذكر الله كفيل بأن يجعل العبد يشعر بالسعادة الحقيقية وبالسكنة والطمأنينة الباطنية وهذا وعد من الله كما جاء في قوله ﴿ ومن يعمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحينه حياة طيبة ولنجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾
وفي الختام أقول:
أن السعادة الحقيقية تبقي سعادة كذلك مؤقت وهذا لا يرفع عنها كونها سعادة حقيقة لأن الإنسان المؤمن يتعرض بين الفتنة والآخرى للابتلاء وإلى الشدائد ..وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الحالة في قوله « عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ.» 
أما السعادة الحقيقية الدائمة والسرمدية التي لا يقربها حزن هي التي قال عنها " الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله " عندما سؤل :"متى يجد العبد طعم الراحة؟"، قال: "عند أول قدم يضعها في الجنة "                                          
بقلم: الشاعر والكاتب والناقد والباحث في الشأن الديني، أحمد أحبيز

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

-( عيد ميلادي)- في الخامس من آب بعضُ طينٍ وماءٍ صارا أنا والى أنْ يختلفا سأبقى هنا... لم تكنْ صدفة أو لقاء عبثي بين عنصرين بل تحدٍّ وامتحان ...