الاثنين، 27 مايو 2024

... .. القدر الرابع ... رواية / رضا الحسيني (الفصل الثاني)
.. .. ( 30) ( القرار الصعب )
_ لا لا هرجع مكاني خلاص يافندم ، بس حبيت أقولك فيه حد حس بيكي
( فيه حد حس بيا ؟! ) غريبة جدا الجملة دي ، أقرب ناس لي بالحياة لم يحسوا بي ، قتلوني في لحظات بمنتهى البرود ، كيف أصدق الناس بعد ذلك ، الركن الذي كنت أعتقده يقينا مخدعي الآمن وجدته مقبرتي
وصلت لمدينة مرسى مطروح ولا أدري كم محطة توقف فيها القطار ، ولم أنتبه أبدا لأي شيئ حدث من حولي في القطار طيلة الرحلة ، ولا أدري كم استمرت ، فقط ما أتذكره أننا تحركنا في الظلام قرب منتصف الليل ووصلنا مع بدء اتساع ضي الصباح ،كانت هذه هي المرة الثانية لي التي أجيء فيها لمطروح ، المرة الأولى كانت عند زواجي من فايز ، وقتها فاجئني بأنه حجز لنا أسبوعا هنا كشهر عسل ، ربما كان هذا الأسبوع هو فقط أجمل ماعشته معه ، كنا كعصفورين ، وكان بحر مطروح بشواطئه الساحرة أجمل ما رأت عيوني على الإطلاق ، فأنا بسنوات عمري كنت قد سافرت لكثير من شواطيء مصر ، كانت كلها تبدو جميلة ، لكن في أسبوعي هذا أدركت أن الجمال فقط هنا ، الجمال بشواطيء مطروح وصخرة ليلى مراد بشاطيء الغرام وروعة لون المياه ، وكانت ساعة بشاطيء عجيبة تشبه سحر عمر بأكمله
ها أنا هنا في مطروح بعد مايزيد عن عشرين عام ، ولا أدري هل ستتذكرني الشواطيء هنا والشوارع أم لا ؟ ففايز كان من الروعة وقتها أنه أخذني لكل الشواطيء بمطروح وكأنه كان يتنبأ بما سيحدث لي بعد ذلك ، دخلت معه لمتحف روميل والملاهي والسيرك والسينما وسوق ليبيا ومعاصر الزيتون ، وكانت غرفتنا بالفندق وقتها تطل بنافذة وبلكونة على البحر بمنطقة البوسيت ، وكان مطعم الفندق يطل كذلك على البحر بستائره البيضاء ونوافذه الزجاجية الكبيرة العالية ، كنا نتناول في هذا المطعم وجبتي الإفطار والعشاء، كنا نعيش هنا في مطروح أروع مايمكن أن يحلم به إنسان ، وربما كان هذا الأسبوع هو البديل المقابل لعدم إنجابي ، هكذا كنت أفكر طيلة زواجي ، فصديقاتي الثلاث لم تقض إحداهن أي شيئ مماعشته أنا في أسبوع زواجي الأول ، وكنت أقول لنفسي ربما هذا هو قدري ، القدر الذي عشت أتساءل عنه مع نفسي في كل سنوات زواجي
وبعد بحث وجدتني داخل غرفة فندقية متواضعة أعيش فيها عدة أيام حتى تمكنت من استئجار شقة صغيرة تناسبني تماما وكأنها مخلوقة ليومي هذا بحالتي هذه ، قمت بفرشها بالأشياء الضرورية التي تمكنني من الحياة بشكل معقول
بدأت في مطروح حياة جديدة مملوءة بالدموع والحسرة وأحزان لا تنتهي ، وغرقت في سيول من الأفكار التي لايمكن لعقلي البسيط الطبيعي أن يستوعبها ، وبقيت أسأل نفسي ( أي الأمور في قدري أقصى على نفسي مما أعيشه : عدم إنجابي أم طلاقي أم كوارث الأولاد أم صدمتي في صديقاتي ؟!) لم أعرف أي قدر من أقداري الأربعة كان الأشد على نفسي ، كانت رحلتي داخل القطار لمرسى مطروح أطول ساعات عمري ، عشت فيها كل رحلتي بالحياة
، مرت بي كل الأشياء ، وسمعت فيها كل الأصوات ، أصوات أمي وأبي ، وأصوات إخوتي ، وأصوات فايز طليقي وأغلب أهلي ، وبقيت مع هذه الأصوات ألملم نفسي وجراحي ، فكنت كمن يحمل بحرا من المياه بين يديه في حين كانت قطرات الماء تتساقط من يدي بغزارة كلما حاولت الإمساك بها ، هكذا كانت دموعي وكان حالي
.. لسه بكره هنتقابل مع القدر الرابع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

-( عيد ميلادي)- في الخامس من آب بعضُ طينٍ وماءٍ صارا أنا والى أنْ يختلفا سأبقى هنا... لم تكنْ صدفة أو لقاء عبثي بين عنصرين بل تحدٍّ وامتحان ...