.. .. ( 39 ) ( روح جديدة )
كان فوزي متميزا في كل شيء ، لم يترك جملة بداخلي إلا وعنده لها الرد المقنع ، ولم يترك أمرا بحياتي إلا وله عنده كذا حل له ، وكأنه كان يعرفني منذ ولدت ، وكأنه كان منذ زمن يستعد ليلقاني ، وجعلني أشعر أن كل ماعشته كان لأجله هو ، كل تعاساتي وابتهاجاتي كانت وكانها تمهد له الطريق ولي لنلتقي هنا هكذا ، حتى حياته كانت كذلك مرض زوجته ووفاتها وزواج ابنته بعدها وهجرتها للخارج كان خلال كل ذلك يسير نحوي دون أن يدري ، ليس منا أحد يعرف لماذا تسير حياته هكذا ، وكل ماقد نعيشه من مسرات وأحزان فيه كل الخير لنا ولكننا لسنا بالإيمان الكافي بذلك ، وهذا جعلني أفكر في كل ما أصاب الأولاد ، هو بالتأكيد يحمل بداخله الكثير من الخير الذي لن ندركه بحواسنا العادية الآن ، فأنا حين تركت القاهرة خلفي بكل مافيها لم أكن أعلم بكل الجمال الذي وجدته هنا من تيتة أم عمرو وحتى الأخ مؤنس حفيدها و ها هو فوزي يحملني بلطفه ومشاعره وهذه الابتسامة النقية لعالم وردي كنت في أشد الاحتياج إليه ، كيف كنت سأصدق أنني منذ أيام قليلة أرقد بالمستشفى وكثير من جسدي قد طاله الحريق بدرجات ولو بسيطة ، واليوم ها أنا أستعد لأول ليلة زفاف مع فوزي الرقيق !
_ تعرفي إن الأستاذ فوزي من كم يوم جاني الكوافير واتفق معايا على كل شيء ياست جميلة
_ معقول ! أنا كنت من كم يوم في المستشفى متربطة ومحَرْوَقة ومفيش أي تفكير في أي شيء أبدا
_ يااااه ، معنى كده إنه كان شايفك أوي وفاهمك وحاسس بيكي
_ اللي يعمل كل ده أكيد بيستاهل كل الخير
حين انصرفت سَحَر الكوافيرة كنت امرأة مختلفة تماما عن التي استقبلتها منذ مايقرب من ست ساعات ، استطاعات بلمساتها الجميلة البسيطة أن تُعيد روحي لي وتجعلني أسترد كل مابداخلي وبمظهري من جمال وأناقة ، وكأن فوزي وسَحَر قد خُلقا من أجل أن أعود لجميلة الجميلة في كل شيء ، ووجدتني أتذكر ماسمعته بمطبخ شريفة وأنا أبتسم بذهول ولساني وروحي يقولان لشريفة وهناء وأزهار : شكرا
حين عاد فوزي بعد انصراف سَحَر بدقائق كان معه المأذون وبعض رجال الحي ، كنت ألاحظ بعضهم كصاحب المخبز والفكهاني وبواب أحد البيوت أما الآخران فلا أعرفهما ، والمدهش أن امرأتان جاءتا معهم ، كانتا زوجة اثنين منهما ، فوزي لا يفوته أي أمر ، لم يشأ أن أكون وحدي في ليلة كهذه ، حتى الكوافيرة سحر عادت مرة أخرى بدون أدواتها ، فقط جاءت بزغرودتها تسبقها ، شعرت وأنني أعيش حلما وكنت أخشى أن أفيق فلا أجد شيئا من كل هذا
حين انتصف ليل الثلاثاء هذا كنت عروسة فوزي ، ورغم أني كنت بلا أحد من أهلي ، ولا يوجد حولي أحد يعرفني وأعرفه ، كانت الوحيدة في مطروح التي ستفرح لزواجي هي تيتة أم عمرو رحمها الله ، وأشعر بها الآن في منتهى سعادتها رغم وفاتها ، والذي ادهشني في كل ماحدث أن فوزي قد أعد شقتي لتكون عُشا جميلا لزوجين كانا ينتظران بعض ، وكأنه كان متأكدا أنني سأوافق ، وهذا أعجبني بشدة ، لهذه الدرجة قد عرفني من داخلي وفهمني وشعر بي
قضيت مع فوزي أياما لاتخطر على عقل امرأة أبدا من الروعة ، والذي أدهشني أنني قضيت شهر عسل للمرة الثانية بين شواطيء مطروح ، مالقدري هذا ! لا أصدق أن حوادث الأولاد الثلاثة و انقلاب صديقاتي عليَّ و حريقا بشقتي سوف يجعلوا مني أسعد امرأة في الكون هكذا
_ مالك ياجميلتي ؟!
_ مالي ! انت مش شايف عملت فيا إيه ياحبيب...ز
_ إيه ! قلتي إيه ! أخيرا قلتيها ، أخيرا روحك غنتهالي ، سمعت يابحر اللي أنا سمعته ن سمعت جميلتي بتقولي حبيبي ، سمعتي ياصخور مطروح
_ ههههههه بالراحة شوية حبيبي ، ماكنت بعرف إنها هتعمل فيك كل ده
كانت هذه اللحظة كرحلة في سماء وبحر مطروح ، جعلني فوزي أطير وأطير و أطير ، وجعل ضحكاتي تملأ الكون
وكالعادة تمر اللحظات الناعمة الرقيقة كمر السحاب ، وحانت لحظات سفرنا معا إلى ليبيا ، كنا قد قضينا معا قُرابة الأسبوعين ، نقضي ليلة بشقتي وليلة بشقته ، كان فوزي يُمازحني دائما بأن شقته تغار من شقتي ، وأنها تسأله أين نصيبها من جمالي ، وأنا أنظر إليه وكأنني أصدقه ،والغريب أن شقته كانت وكأنها أيضا شقة عروسين، ولم أشعر فيها أبدا بأنني غريبة ، كانت مشاعري نحوها تعلن دائما بأنها شقتي منذ زمن بعيد ، وكانت أكبر مفاجأة بانتظاري في شقته هي براويزي الثلاثة ، ياله من فوزي هذا ، لايفوته شيئا أبدا ، خلال رقدتي بالمستشفى استطاع أن يُجهز نسخة مشابهة من براويزي ، قال لي أنه لم يُعلقها هنا بشقته إلا بعد أن وافقتُ على الزواج
كانت الرحلة التي استمرت قرابة التسع ساعات ممتعة بسيارة فوزي ،خرجنا عند الفجر بعد أن صليناه معا بشقتي ، ثم مررنا على شقة فوزي ، تأكدنا من أن كل شيء بهما في أمان أثناء غيابنا ، وحملنا معنا مايكفينا من أمتعة ، وكنت خلال الرحلة أضع رأسي على ذراعه وهو يقود السيارة ، أغفو للحظات فأفيق حين تُلامس شفتاه جبيني وعيوني ، فأصحو مبتسمة ، وخلال الرحلة استرحنا عدة مرات لنتناول الطعام والصلاة وشرب الشاي والعصائر ، كان فوزي يعرف كل تفاصيل الطريق وكأنه يقطعه كل يوم ، ولم يخلو الأمر من بعض القُبلات ، كنت أشعر أنني أتزوج لأول مرة ، كانت روح فوزي ساحرة لأقصى درجة
عند عصر يوم الجمعه هذا الأول من سبتمبر وصلنا قرية الوردية في الجبل الأخضر غرب مدينة البيضاء بنحو 30 كيلومترا في الطريق الرابط إلى مدينة المرج، هنا يسكن فوزي ، قضى هنا من قبل قرابة العامين ، أحب الناس وأحبوه ، فحين وصلنا رأيت بمنتهى الوضوح كم هو مجبوب هنا ويعرفه الكبير والصغير ، وشعرت وكأن القرية كانت تنتظر وصولنا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق