بقلمي جمال القاضي
صرنا في واقع مرير، بات فيه الفقير يتذوق الفقر والضيق ويتجرعه، أصبح وأمسى يتعود على طعم الحرمان، مع وجع لاتهدأ فيه أعصابه ولايستريح لحظة من ألم، فأوشك على السقوط في آبار الضياع، ثم تأتي الرياح عاصفة. تحمل معها الثرى لتغلق مابقى له من نوافذ الأمل، وتبقي الظلام حوله وأمام عينيه، ليرى مستقبلاً مظلماً لانور لشمسه أو آنه يراها باهة حيث توارت خلف سحاب أو ضباب كثيف .
فقر قد نهش معه المرض جسد هذا الفقير، فلم يعد يجد الدواء الذي يناسب فقره، ولم يجد المأوى الذي يعيش فيه لحظات مرضه، ليرضى بمر المساعدة والنظر اليه بعدها بعين الشفقة ممن جاء ليساعده، فهذه المستشفيات وأبوابها قد أغلقت أمامه، وهذا الدواء صار كطائر يرفرف فوق جسده المريض، لكنه أبدا في هذا الزمان لن يلمس جناحيه، وان قدر له لمسها فسوف يراها تحلق لأعلى، فصار الوجع رفيقه، وصارت الآهات حاله الذي يعبر عن مر واقعه وحاضر .
اين يذهب هذا الفقير والذي يحظى على النسبة الأكبر من فئتي الشعب، فئة النفوذ والمال، وفئة الفقراء من موظفين وعمال وفلاحين ومن انقضى عمره في البحث عن لقمة العيش، لكنه لم يحظى ابداً على كسرة تجبر بخاطرهم أو تخمد نار شهوة جوعه وشدة حاجته .
هذا هو حال الفقير، لكن ماهو حاله مع المستشفيات المجانية ؟
قبل أن نكمل الحديث فقد انتهى عصر المجانية في العلاج، هذا هو شعار الحاضر، هذه المستشفيات ليس بها سوي أشباه علاجات على هيئة أقراص تحمل أسماء مختلفة لأدوية عديدة، لاتجدي فاعليتها ولاتشفي من مرض، تحت غياب الرقابة وانعدام الضمير من الشركات التي تتعاقد معها هذه المستشفيات، هي في حقيقتها حجارة تم سحقها لتصبح مسحوقا سهل التعبئة، فكانت المادة الفعالة مجرد كلمات مكتوبة على غلافها الخارجي وليس لها فائدة في واقعاً، فهذا مريض السكر يصرف له العلاج بالمجان، نعم انه بالمجان رغم أنه يكلف الدولة الكثير من الأموال، لكن رغم ذلك لايجدي في علاج هذا المرض لتظل نسبة السكر مرتفعة رغم تعاطيه هذا الدواء، وهذا مريض الضغط والكبد وغيرهم كانت تصرف لهم الأدوية بلاجدوى، وماكان على كل هؤلاء إلا الإبتعاد عن هذه الروتينيات من الأدوية مضطراً بعد معاناة الحاجة للمال بشرائه على نفقته الخاصه والتي جمعت ممن حوله ليشتريها خارج هذه المستشفيات .
لكننا نسأل: أليس هناك جهازاً رقابياً يقوم بتحليل هذه الأدوية والوقوف على جودها خاصة وأنه قد تم دفع ثمنها بالكثير من مال الدولة؟
ألم نراجع جدية هذه الشركات في تصنيع الأدوية بنفس الجودة النظرية المذكورة على علب هذه الأدوية ؟
لقد كان لشركات الأدوية سياسة تتبعها في رفع أسعار الأدوية في الآونة الأخيرة مستغلين تعويم الجنية وانخفاض قيمته أمام العملات الآخرى وبحجة أنها تستورد هذه الأدوية من الخارج فقامت أولاً بتعطيش الأسواق من أدوية الأمراض المزمنة والخطيرة ليكون لها الحق فيما بعد في مطالبة الدولة برفع ثمنها دون اعتراض من المواطن .
فبات المريض يئن من كثرة الضيق الخانق مع ظروف الحياة الصعبة ليكون هو وحده الذي يدفع فواتير الغلاء دون غيره، فلاحياة يتنفس فيها ولاموت معه يستريح، ليعيش يومه في معاناة تسحق فيها آحلامه في العيش بين رحى الغلاء ورحى الفقر، فصار بلا هوية أمام أفراد أسرته، لايلبي غصبا متطلباتهم، ولا يستريح يوماً من مشقة الحياة، ليعيش حياة ينتظر فيها الموت ربما بموته يستريح من ثقل الهموم وكثرة حمولته من الديون .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق