بقلم الدكتور عوض أحمد العلقمي
هيا احكي لنا تلك الرؤيا التي أخافت الجميع في تلك الليلة الصيفية المظلمة يا أبانا . في تلك الليلة تعسر نومي حتى ظننت أنه قد هجرني دون رجعة ، ولما دخل الثلث الأخير من ذلك الليل الطويل ، الحالك الظلمة ، غفوت والعرق يتصبب ؛ لأنني لو كشفت عن أي جزء من جسمي ؛ لعل شيئا من نسمات الهواء الليلي - هذا إن وجدت - تتسلل إليه ، أو شيئا من البرودة التي تصحب السحر ، إذا جاد الطقس ، مع شدة بخله في بلدنا ، تلامسه ، وقبل أن أستبدل لحظات الغفو بزمن الهجوع من النوم ، رأيتكم وقد انتقلت الأرض إليكم ، وأنتم في سن الفتوة والشباب ، أقوياء مدججون بالسلاح ، لكن الفرقة قد عبثت فيكم ، والحقد على بعضكم قد ملأ صدوركم ، والشيطان قد سول لأنفسكم ، بل قد وسوس في عقل كل واحد منكم ، أن يسيطر على الأرض كلها ، ويستأثر بخيراتها ، وقبل ذلك يجب أن يتخلص من أشقائه وينتهي إلى الأبد من إزعاج شركائه ، وهل انتهى الأمر عند هذا يا أبانا ؟ كلا أيها الشباب فالقادم أدهى وأمر ، هيا اكمل حكاية رؤياك يا أبانا . في ذلك الوقت الذي أنتم تتنازعون على التفرد بامتلاك الأرض ، وكل واحد منكم يرى أنه الأجدر بالسيطرة عليها والإفادة منها ، ويعمل من أجل حرمان إخوته ، وإقصائهم عنها . رأيت الأعداء يأتمرون على مقربة منكم ، والغرباء يحثون الخطى نحوكم ، وعيون الفريقين شاخصة نحو الأرض والأرض فقط ، ولم أر فيكم رجلا رشيدا ، وهنا وجدت نفسي أصرخ الأرض ... الأرض... الأرض ياشباب ... وماذا تعني بالرجل الرشيد يا أبانا ؟ أعني به ذلك الرجل الذي يدرك خطر الاستعانة بالأعداء ، والنتائج الوخيمة لاستقدام الغرباء ... بدأت المراسلات السرية والعلنية من المؤتمرين ، والزاحفين إلى الإخوة الأعداء ، يعرضون عليهم التوسط في حل خلافاتهم ، والمساعدة لحل المشاكل العالقة بينهم ، هذا في الظاهر ، أما الباطن فيضمر أمورا أخرى ، لايدركها إلا من تشبع بالحب للأرض في نشأته ، وعمل في فلاحتها وزراعتها حتى بلغ مرحلة الهيام في غرامها ، وقبل هذا وذاك قد علم يقينا أنه قد خلق من طينها الطاهر ، وعاش على ظهرها الصابر ، تحمله وتقدم له الطعام من حبوبها وثمارها ، حفظت له الماء ، وأمدته بالهواء ، وستستقبله ضيفا نزيلا في برزخها إلى أن يناديه الخالق للحساب ... استجاب الإخوة لتلك المراسلات ، ولبوا في سرعة تلك المناشدات ، لم يكن يتوقع أولئك الطامعون ، والأحلاف المتربصون أن الإخوة الأعداء سيسلمون لهم الجمل بما حمل ، وذلك لما يقرأونه من عظمة هذه الأرض وكبرياء أهلها لاسيما في الزمن الذي كان القائمون عليها الحاجة سعيدة والحاج سعيد ، وأمثالهم ؛ لذلك تضاعف طمع الغزاة ، وازداد جشع الغرباء حين أدركوا أن ماكانوا يتهيبون تكلفة الوصول إليه ، وخسائر السيطرة عليه ، قد أصبح يسعى إليهم من غير ماتكلفة أو خسارة تذكر ، وذلك بعد أن اكتشفوا غباء مالكيه ، وقصر نظر المتنازعين عليه ...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق