مقتطف مترجم من قصتي باللغة الفرنسية: "Une nuit historique"
ليلة من التاريخ
كان الرمل الناعم ينسحق تحت أقدام الجنود وهم يقفون في دائرة ضيقة، ويراقبون الأفق بحذر. كسر الرقيب إبراهيم صمته بتوتر وقد تصلب وجهه بسبب التجربة:
- "ابقوا يقظين أيها الجنود. سيخرج أعداؤنا من الظل قريبًا ".
التقت النظرات المشدودة، كل عنصر من الكتيبة كان يخفي تخوفه من اللحظة الحتمية التي سيكشف فيها العدو عن نفسه.
غطت حرارة الصحراء العراقية الخانقة المجموعة. كانت أزياؤهم العسكرية ملطخة بالغبار، أما الأسلحة اللامعة صارت تعكس أشعة الشمس الحارقة. ومن حولهم، بدا المشهد المقفر والصامت وكأنه انتظار معلق للنتيجة الوشيكة: مأساة حتمية.
في هذا المشهد الحربي، كانت عيون فيصل الحادة تتفحص الكثبان الرملية بحثًا عن الحركات المشبوهة. بدت ذكريات المعارك الماضية وكأنها تتراقص أمام عينيه الداكنتين. اختلط الألم والإصرار على وجوه الجنود المتوترة، وكان كل منهم يدرك أن النصر غير مؤكد، لكن واجبهم أبقاهم واقفين، مستعدين لمواجهة الشدائد.
انتشرت همهمة الخوف بين الجنود مع مرور الدقائق دون أي إشارة للعدو. كسر المجند الشاب خالد الصمت المتوتر:
- "لماذا ننتظر هنا بلا حراك والعدو يزحف باتجاهنا بالفعل؟"
أجاب الرقيب إبراهيم بصوت هادئ:
- "الصبر هو أفضل سلاح لدينا أيها الجندي. الانتظار يجعلنا أقوى."
مع تزايد الاضطراب بين المحاربين، غاصت الشمس ببطء تحت الأفق، لتجعل السماء لوحة بألوان دافئة، وهب نسيم المساء ضعيفا حاملا معه رائحة الصحراء النفاذة.
كل ظل، وكل حركة من بعيد، أثارت رد فعل فوري بين الجنود، الذين كانوا يراقبون بقلق. كان التعب والترقب على الوجوه يتزايد، والأيدي تمسك بالسلاح بقوة، مستعدة للتحرك عند أدنى إنذار.
عدل فيصل، الخبير التكتيكي، موقف رجاله بصمت، محتسبًا كل الاحتمالات، ومتوقعًا لكل السيناريوهات. اجتاحت نظرته المتفحصة الكثبان الرملية بحثًا عن علامات هجوم وشيك. كان الليل يقترب، وفي لحظة غطي المشهد بحجاب مائل للظلمة، معلنا عن أوقات ملتبسة لهؤلاء الرجال الذين أمسوا يواجهون المجهول.
أنهى الشفق نشر ألوانه الوردية في الأفق، وكسر صمت الصحراء القمعي همهمة الريح المزعجة. ارتفع صوت الرقيب إبراهيم العميق في الهواء المتوتر:
- "جهزوا أنفسكم أيها الجنود. سيضربون قريباً".
التقت العيون، بمزيج من الإصرار والخوف. وأخيراً حل الليل على الصحراء، وألقى حجاباً داكناً على المشهد الطبيعي. تلألأت النجوم في سماء قاتمة، مقدمة نورها الخافت لهؤلاء الرجال الذين وقفوا على أهبة الاستعداد للدفاع عن أرضهم وعرضهم وماضيهم المزهر.
بدا كل نفس من الريح وكأنه يحمل معه نذير خطر وشيك. بزغت صور الجنود بحدة على الرمال، وكان صمتهم ثقيلًا توقعًا لهجوم لا مفر منه.
أحس فيصل، وعيناه مثبتتان على الظلام المتزايد، بحركة خفية. ودون أن ينبس ببنت شفة، أشار لرجاله بالاستعداد. صارت القلوب تنبض في انسجام تام، وقفت المجموعة في حالة تأهب، مستعدة لمواجهة العدو الذي كانت ظلاله تقترب في الظلام، مثل الأشباح الخارجة من الصحراء؛ وبدا الانتظار أبديًا، حيث كانت كل ثانية تثقل كاهل الجنود الذين حبسوا أنفاسهم في انتظار هجمة شديدة همجية حتمية.
سمع دبيب ممل عبر صمت الليل، فتبادل الجنود، الذين كانوا يراقبون، نظرات القلق. أمر الرقيب إبراهيم، وهو يحدق في الظلام، بصوت حازم:
- "استعدوا للرد، العدو هنا"!
خفقت قلوب الرجال الذين قاموا بتعديل مواقعهم. وفجأة، بدت الصحراء وكأنها تنبض بالحياة: انبثقت ظلال متحركة عبر الكثبان الرملية صاحبتها طلقات نارية التي أضاءت الظلام بخطوط من الضوء القاتل.
وأعقب تلك الفوضى ارتباك سائد بين الصراخ وضجيج الأسلحة. رد الجنود الأشاوس بضراوة، وتردد صدى كل انفجار في الأجواء المليئة بالغليان. انفجرت القنابل اليدوية، وتناثر وابل من الرمال والحطام، مما أضاف بعدا مرعبا لهذه الصورة المروعة. أطلق الرصاص صفيرًا في الهواء، واصطدم بشكل خطير بآذان الجنود. تصرف فيصل برباطة جأش، وقام بتنسيق الهجمات المضادة، وتوجيه رجاله بتصميم بدون هوادة على الرغم من الارتباكات المحيطة.
في هذه الرقصة الساحقة، شكل الظلام وتصادم الأسلحة سيمفونية رهيبة، سلطت الضوء على النتيجة الغير مؤكدة لهذا الكمين الليلي. أثناء الهجوم، تم وضع حيلة جريئة. فقد استخدم الجنود العراقيون، بقيادة فيصل، تكتيكات بارعة، مستغلين التضاريس ومعرفتهم بالصحراء.
خلال الظلام، تفرق الجنود ببراعة، واندمجوا في الظلال المتغيرة للتضاريس الطبيعية، مما جعل المشهد يبدو وكأن الفريق قد تراجع، ولقد كان بالفعل تراجعا استراتيجيا. في هذه الأثناء، واصل العدو، الواثق من تفوقه العددي، هجومه متقدماً في العراء مستخدماً أحدث معداته الحربية.
وسرعان ما اندلعت من جديد نيران دقيقة ومتزامنة عبر الأجنحة المخفية، مما أدى إلى زيادة الارتباك بين صفوف المهاجمين الأعداء. لقد حاصرت المقاومة العراقية العدو في كمين مدبر بعناية، حيث فوجئت القوى المعارضة بهذا الرد غير المتوقع، واستدارت، ولكن بعد فوات الأوان. لقد ألحق الجنود العراقيون، المصممون والماكرون، خسائر فادحة بالعدو، مما أدى إلى قلب دفة المعركة مؤقتًا. وصل التشويق إلى ذروته بينما ظلت نتيجة القتال غير مؤكدة.
ترددت أصداء إطلاق النار طوال الليل، وكان كل جانب يقاتل بضراوة من أجل الحصول على اليد العليا في هذه المعركة الشرسة من أجل التفوق. همس فيصل، وعيناه تلمعان بالعزم، لرجاله المختبئين في الظلام:
- "صبراً يا إخوتي، فليؤمنوا أن لهم التفوق".
هز الجنود المموهون في ثنايا الصحراء رؤوسهم بصمت، في انتظار اللحظة المناسبة. ومع استمرار العدو في التقدم، مقتنعا بتقدمه في الميدان ببراعة، انتشر الجنود العراقيون بصمت، مثل الظلال في الليل. كان صوت أسلحتهم مكتوما، مندمجا مع صمت الصحراء.
وبغتة، انفجرت طلقات حادة ودقيقة مرة أخرى من الأجنحة المخفية، لتضرب العدو على حين غرة. وكان رد فعل العدو، الذي أربكه هذا الهجوم غير المتوقع، مرتبكًا.
- "استديروا، إنهم هناك!" صرخ أحد قادة المهاجمين وهو يحاول إعادة تجميع قواته.
واصل الجنود العراقيون بقيادة فيصل مضايقة العدو، وسمحت لهم حيلتهم بالسيطرة على الأرض. بعد ذلك، ملأ التبادل الكثيف لإطلاق النار الأجواء، قاتل كل جانب بضراوة من أجل الحصول على التفوق الحقيقي.
ومرة أخرى أضاءت ومضات الأسلحة الصحراء بشكل متقطع، لترسم مشهداً من الإصرار الشديد المفعم بالتشويق، في حين ظلت نتيجة هذه المعركة الليلية في ذروتها غير متوقعة.
لكن على الرغم من مكر الجنود العراقيين، كانت قوة كتيبة العدو هائلة. احتدمت المعارك المتواصلة، وتلطخت أرض الصحراء بدماء الجرحى والقتلى في المعركة.
اختلطت الصرخات المفجعة مع الانفجارات، معلنة عن المأساة التي كانت تحدث تحت السماء المرصعة بالنجوم. وجد الجنود، الذين حاولوا المقاومة، أنفسهم محاصرين بقوة نيران العدو الفائقة.
أدرك فيصل، ونظرة جادة على وجهه، خطورة الوضع. وفي لفتة سريعة أمر رجاله:
- "تراجعوا! يجب أن نتراجع، وننقذ ما يمكن إنقاذه! "
اختفت الظلال في الظلام، تجنبا لنيران العدو قدر الإمكان. وعلى الرغم من إقدامهم المشهود، صار رفاق السلاح ضحايا هذه المواجهة القاسية.
أثناء الانسحاب، انطلقت صفارة الإنذار في تلك الليلة معلنة أن العدو كان يتوقع هروبهم. تردد صدى المشاعل ونباح الأوامر من بعيد، مما كان يشير إلى أن العدو، رغم الهزيمة اللحظية، كان مصمما على عدم السماح للجنود العراقيين بالفرار. صدرت الأوامر، ووُضعت الاستراتيجيات للقبض عليهم. الجنود العراقيون كانوا، من جانبهم، يائسين من الحفاظ على دفاعهم. مما أفسح المجال للاحتلال الأجنبي ولغروب حضارة كانت تتجه نحو الازدهار والحداثة، في ليلة خلدها التاريخ.
عبد الغفور مغوار – المغرب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق