السبت، 27 يناير 2024

رواية 
عزيزة 
الجزء الاول 
بقلم عبير صفوت محمود سلطان

كانت تراودنى تلك الأمسية ، ببعض النسائم التى اعتلت قصيد نفسي فاستهل النوح بى وشعرت ببعض الطمأنينة والعشم ، تمنيت أن تطول الأوقات المقتبسة من الزمن ، يترنح الهواء العليل بى من النافذة الخلفية لغرفتى ، أشعر أن الهمس يراودنى بالافكار وظلمة الجدران تحتوى اشغال تفوح منها رائحة الحكايات ، كأنما الشعور يخلق التنبؤه ، والكلمة تتسع ويزيدها الأصوات .

كان مصدر الصوت عالي الصراخ ، لم اتمكن من التحديد ، إنما ذلك الفتى الصغير الذى كان يحتضن دمية الدب ، بغرفته الخلفية يبكى ، منزويا عليها يتشاكى بها من النافذة ، كيف تركوة الأهل وحده ؟!

خلاف الأمر ثورة من الفرح تسكن الجدران المجاورة ، إنما السعادة المؤقتة كانت تستهل بثورة تتجمع من بعض المعازيم والاقارب ، على اثرها اطفال تلعب وأطفال تجلس وحدها ، ترى ماذا كان يدور فى خلد الاطفال !؟

تسلقت عيونى جوف المنظر مسقط الجدار السفلى للعقار ، هذا المنظر الذى أراه يوميا ، تجمع اولاد الحارس فى دفء تلتف أجسادهم اللينة مثل القطط ، تؤنسهم زوجة الحارس بالسعى المستمر من أجلهم ، يشكرون القدر بلا اعتراض ، يتعايشون بسلام منطقى ، فى همس بلا عتاب ، ياخذنى هذا المشهد إلى السلام النفسي .

تعلو إلى مسامعى اصوات خشنة يعقبها اصوات ناعمة .

بدى الأمر لى ظاهراً بالمشاكسات ، يعلن ابى موعد اغلاق النافذة ، لقد جاء الليل بحكايته ، تستقر امى لتناوب الكلمات المؤثرة التى تؤنس ابى ، استقر على مرقدى ، احاول النوم ، أرى فى احلامى كل المشاهد السافرة بالمخاطر ، ابطال القصص ، على رأسهم عائلاتى ، التى لن تتوقف عن الشجار ابدا .

ما خذل نفسي قوتى التى أراها فى المنام ، رغم طبيعتى الضعف والهزل ، إنما كسبان الاحلام فى التغيير المنطقى إلى خلافة .

كنت انتقل من شارع إلى شارع ، إرث الأرض بقدمى الثابتة ، اقابل وجوه تبتسم ووجوة تبكى ، من بينهم عائلة الطفل الذى كان يبكى ، صاحب النافذة الخلفية.

اتسعت الخطى ، رأيت والد الطفل حولة النساء ، اقتربت وشعرت بهذا الدوار ، الذى تململت أمامه نفسي وتاه خاطرى بين الواقع والغياب واستفقت على همهمات بين صراخ نساء الغياب وبين ضحكات فى الخلا ، جذبتنى يد قوية ، اخرجتنى عن رشدى ، تنبهت عيونى ترفع اجفانها ببطء ، عقلى يستقر بلا فكرة ، جسدى خامل ، حتى جهرت امى بشيء من الغضب : 
لابد أن هناك شبح أو سحر او تواطؤ بين السكان .

اعتدلت فى جلستى ، لاح بين أفكارى ، والد الطفل ، إنما ، تناسيت مادار ، بين تلاشي الأحداث وبين قبضة امى ، التى لكزتنى ، لاستعيد الرشد عن الغفيان.

تلصصت عند حافة باب الغرفة ، حينما وصف ابى الحدث بغير عقلانية :
كان الجميع نيام ، الرجل فى غرفة والمرأة مع اولادها ، حين أتى الصباح تفاجات المرأة بهذا المنظر المخيف .

مصمصت امى شفتيها بحزن :
لا حول ولا قوه الا بالله ، قدر ومكتوب .

ينظر إبى إليها ، نظرة ساخطة ويجهر بلا رضا : 
إذ كان المتحدث مجنون المستمع عاقل .

عقبت امى : ربما سحر .

قال ابى بلا رضا : التواطؤ هو التواطؤ.

الحقيقة ، لم يأخذ الأمر كثيراً فى عقلى ، ومن تو ، حذفت فكرة الهواجس والأحلام ، عدت على محمل مهام امى وارضائها فى تلبية الأوامر.

ماكان يشغلنى حكايات امى وغضبها السارق لافكارى ، عندما كانت تؤنسها زوجة جارنا فى العقار السابق ، فاض الكيل بامى وهى تتلسن : 
امرأة لعوب لا يرضيها الأمان والاستقرار ، ماذنب زوجها الطيب ، وقالت لى باللفظ : 
لا تلعب مع ابن تلك المرأة ، تساءلت عن السبب : 
قالت لافهام عقلى المراهق :
ابنها سيء للغاية وحسب .

ابتعدت عن الصبى رغم تعلقى به ، ونمت فى ليلة اكتوى بها عقلى ، كيف تحرمنى امى من اصدقائى المقربين .

استلم عقلى الفكرة وراودنى المقت والسخط باحلامى ، كنت أتجول بين الرايات وبين البيوت والحوانيت ، رأيت نساء سمينات غليظات الصوت والسلوك ، كانت النساء ينظرن آليا فى تعجب ، حتى ذاب كيانى الصغير بينهن ، خرجت على صراخات أحدهن وهى تقول : كان هنا أمسكن به ، أنه يركض .

تكررت الواقعة ، حتى استفقت على بكاء امى تتهته:
رحمك الله أيتها المرأة ، علمت بعد ذلك ، انها نفس المرأة التى امرتنى امى أن أبتعد عن ابنها .

الحقيقة ، لا أدرى كم تاثرنى الراحة ، عندما يموت الاشرار ، ربما لم يكن فى الحسبان ما يحدث ، ربما تكون صدفة .

حاولت الابتعاد عن ما يغضبنى ، إنما لا تكل ولا تمل امى عن الحكايات ، لا أتعجب عندما يزيد القتلى بعد نومى ، والبكاء يتسرب إلى قاع النفوس ، عن السبب والظروف الغامضة يتساءلون .

حتى نظرت لى امى ذات ليلة ، عندما صفعنى ابى بسبب غضبه من امى ، أسرعت امى باكية يبادرها السقوط ، قائلة بتوسل : لا عليك انا اسامحة .

أيقنت بنفسي : لو كانت امى تسامح الجميع قبل غفوتى ، ماكانت كل هذه الجرائم .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

-( عيد ميلادي)- في الخامس من آب بعضُ طينٍ وماءٍ صارا أنا والى أنْ يختلفا سأبقى هنا... لم تكنْ صدفة أو لقاء عبثي بين عنصرين بل تحدٍّ وامتحان ...