كنتُ أجلسُ هناك بين أشجار الصنوبر، ألتحف نعمةَ ظلالها، أتنشَّق هواءها المنعش، وأحاول التمتّع بلحظةِ سكينةٍ وسط ترحالي الأبدي، لمّا رأيته.
مخلوقٌ مختلفٌ غريبٌ أثار الرعبَ في كياني.
لطالما سمعتُ عنه في الأحاديث المُتبادلة بين أقراني.
قاتلٌ. ماكرٌ. مرعبٌ. ومتعطِّشٌ للدم.
وكانت هذه المرّة الأولى التي يظهر بها أمام رادار عيني.
كان مختلفاً حتى عمّا اعتقدته في خيالي.
حتى شعيرات جسدي كانت قد انتصبتْ لمّا رأته أمامها منتصباً.
وها...ها هو المخلوق يصبُّ شررَ نظراته عليّ وكأنّني المُتّهم الأوّل بجريمة قتل أولاده وأحفاده.
وراح يقترب مني بخطواتٍ حذرة لا تنم عن موّدة، بل عن دهاءٍ ما بعده دهاءْ.
أراهُ يهيئ نفسه لارتكاب جريمته الجديدة،
وأراني أتنقّل بجلستي من وضعيّة الاستراحة إلى
وضعيّة القط الهارب من الاستباحة.
ورحتُ أركض مذعوراً، لاهث الأنفاس، باحثاً عن خشبةِ خلاصِ. عن دغلٍ أختبئ فيه.
دغلٌ هو آخر ما تبقّى لنا من أملٍ في هذه المساحات القاحلة الشاسعة.
ودخلتُ الدُّغلَ، واختبأت وراء تلةٍ رجوت أن تكون بمثابة مخلّصتي ومنقذتي من براثن ذاك الوحش.
حشرتُ نفسي في حجرةٍ ضيِّقة، وسكتتُ، وكدتُ أسمع أنفاسي تستغيث.
"هششش"، يصرخ نبضي بأنفاسي، محاولاً إسكاتها قبل أن يسمع الوحشُ شهيقي وزفيري، فينقضّ عليَّ.
وها...ها هو الوحشُ يقتربُ.
يا إلهي! أكاد أشمّ رائحة أنفاسه. أكاد أرى فكّيه فوق جمجمتي. ويكاد صوت اصطدام أقدامه بالأرضِ يصيبني بالسكتة القلبيّة.
أبتلع ريقي وأغمضُ عينيَّ، وترتجف وتهتزُّ أطرافي.
"أينقذني الدغل من ذاك الوحش؟"، رحتُ أسأل نفسي.
وكيف ينقذني وألفُ دغلٍ من هذا أكبر من هذا الدغل لم يستطع حتى إنقاذ نفسه منه؟
واقترب الكائن الخطير حتى صارت أقدامه على بعد مسافة قصيرة مني.
حشرتُ جسدي في جوف الحفرة حتى كادت تسحق عظامي صخورُ الأرض وأشواكُها.
وما هي إلا بضع نبضاتٍ هستيريّة حتى رآني الوحشُ.
أنتفضُ أنا. أصرخ. أحول الخروج من مكاني متوسلاً النجدة والفرار.
وما إن خرجت من الحفرة ورأى هو رأسي حتى شهر شيئاً ما في وجهي.
ربَّما قبضته. ربما مخالب إحدى يديه.
لا أعرف ماذا.
لكنه بالتأكيد الشيء الذي لطالما تحدّث عنه أهلي وأجدادي حينما قالوا:
"له سلاح سريٌّ بإمكانه قتلك به دون أن يلمسك.
ما إن يشهر إحدى قوائمه بوجهك حتى تُطرحُ أرضاً".
ولمّا لم يعد أمامي أي مجالٍ للخلاص، حاولتُ الانقضاض عليه على قاعدة "يا قاتل يا مقتول".
وفعلاً استعطتُ في تلك اللحظة، وبعجيبةٍ ما، أن أصل إليه قبل أن يقتلني.
وبسبب رعبي الشديد، هاجمته بفكّي وعضضت على قدمه، فسقطت تلك اليد القاتلة منه، وسقط هو معها أرضاً.
وما إن حصل هذا حتى فررتُ منه، وبسرعةٍ، إلى جهة أخرى مجهولة.
وفي اليوم التالي وأنا أسير خلسةً في دغل آخر، رأيتُ ورقةً بيضاء مرميّة على الأرض.
شممتها. لا. لم تكن طعاماً. بل كان رائحتها حبراً.
حشرتُ أنفي في الحبرِ، فعلقت حروفه بأرنبتي.
وبفضل الحروف الحبرية المتسللة من أنفي إلى نظري، استطعت قراءة ما قالته الصحيفة المرميّة، وبالعنوان العريضِ:

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق